‫الرئيسية‬ مقالات أين السودان من خرائط الإمبراطوريات الجديدة؟ الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة.. من صراع القارات إلى معركة النفوذ
مقالات - ‫‫‫‏‫31 دقيقة مضت‬

أين السودان من خرائط الإمبراطوريات الجديدة؟ الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة.. من صراع القارات إلى معركة النفوذ

 مسارات  د.نجلاء حسين المكابرابي 

حين نقرأ كتاب ألكسندر دوغين «الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة – عصر الإمبراطوريات الجديدة»، فإن السؤال الذي يفرض نفسه عربياً وسودانياً ليس هو : ماذا تريد روسيا؟ ولا كيف تتصارع القوى الكبرى؟ لكن السؤال الأهم: أين يقف السودان في هذه الخريطة المتحركة من المصالح والنفوذ؟

 

يرى دوغين أن العالم لم يعد يعيش صراعاً بسيطاً بين شرق وغرب، وإنما يدخل مرحلة تتنافس فيها فضاءات كبرى ومشروعات حضارية واقتصادية وجيوسياسية. وفي قلب هذا التحول تتراجع فكرة الهيمنة المنفردة لمصلحة عالم تتعدد فيه مراكز القوة، وتصبح الجغرافيا والموارد والموانئ والطاقة والممرات البحرية والمعلومات أدوات أساسية في صناعة النفوذ.

وهنا تبرز أهمية السودان.

 

فالسودان ليس مجرد دولة تقع في شمال شرق إفريقيا؛ إنه نقطة التقاء بين البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، وعمق القارة الإفريقية، والعالم العربي. وهذه الجغرافيا تمنحه موقعاً يتجاوز حدوده السياسية، ويضعه في دائرة اهتمام القوى الدولية والإقليمية التي تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة والأمن الدولي.

 

لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تمتلك الدولة موقعاً استراتيجياً هائلاً، بينما لا تستطيع تحويله إلى مشروع وطني متكامل. فالموانئ لا تصبح قوة اقتصادية لمجرد وجودها، والموارد الطبيعية لا تتحول تلقائياً إلى تنمية، والموقع الجغرافي لا يتحول إلى نفوذ سياسي من دون مؤسسات مستقرة، واقتصاد منتج، وبنية تحتية، ورؤية واضحة للمصالح الوطنية.

 

ومن هذه الزاوية يصبح درس دوغين مهماً، حتى مع الاختلاف الكبير حول أطروحاته الأيديولوجية والسياسية: الدولة التي لا تنتج رؤيتها للعالم، قد تجد نفسها جزءاً من رؤية الآخرين للعالم.

وهذا هو السؤال السوداني الحقيقي.

هل يستطيع السودان أن يتحول من ساحة تتنافس عليها المشاريع الإقليمية والدولية إلى دولة تمتلك مشروعها ومصالحها وشروطها في علاقاتها الخارجية؟

 

السودان يمتلك موارد زراعية هائلة، وثروة حيوانية، وموقعاً بحرياً، وأراضي واسعة، وعمقاً إفريقياً وعربياً، فضلاً عن موقعه على البحر الأحمر. وإذا أُديرت هذه المقومات ضمن رؤية اقتصادية وسياسية متماسكة، فإن الاقتصاد يمكن أن يتحول من نقطة ضعف إلى جسر للتفاوض والحوار والنفوذ.

 

وفي عصر الشبكات، لا تقل أهمية السيطرة على المعرفة والإعلام وصناعة الصورة عن السيطرة على الموارد. فالمعركة الحديثة لا تُخاض في الموانئ والحدود، وإنما أيضاً في الفضاء الرقمي، حيث تُصنع الروايات وتتشكل الصور الذهنية وتتنافس الدول والمجتمعات على التأثير.

 

لذلك يحتاج السودان إلى شبكات معرفة سودانية قادرة على تقديم روايته للعالم، وإلى إعلام مهني يشرح قضاياه، ومراكز بحث تدرس موقعه في التحولات الدولية، وإلى نخبة تمتلك القدرة على الانتقال من رد الفعل إلى صناعة الرؤية.

ليس المطلوب أن ينضم السودان إلى محور ضد محور، أو أن يستبدل تبعية بأخرى؛ لكن أن يمتلك استقلالية القرار والمصلحة الوطنية، وأن يتعامل مع القوى الكبرى وفق ما يحقق مصالحه، مستفيداً من تعدد مراكز القوة في العالم.

 

فالدرس الأهم من كتاب دوغين ليس أن نتبنى الأوراسية، وإنما أن نفهم كيف تفكر القوى الكبرى، وكيف تربط بين الجغرافيا والاقتصاد والإعلام والشبكات والنفوذ.

ومن هنا يمكن أن يكون السؤال الحقيقي:

هل يملك السودان جغرافيا استراتيجية ، أم يستطيع أن يحول هذه الجغرافيا إلى قوة اقتصادية وسياسية ومعرفية تصنع له مكاناً في النظام العالمي الجديد؟

 

فالسودان لا يحتاج إلى أن يكون إمبراطورية جديدة؛ بل يحتاج إلى أن يصبح دولة تعرف قيمة موقعها، وتحسن إدارة مواردها، وتمتلك قرارها، وتصنع مستقبلها.

‫شاهد أيضًا‬

والي الشمالية يطلع على خطة المجلس الأعلى للثقافة والإعلام

​اطّلع والي الولاية الشمالية، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم، على رؤية وخطة الأم…