‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. قانون النجاة
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ثواني مضت‬

السودان.. قانون النجاة

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> عندما تسقط من حول الإنسان كل القوانين، لا يبقى في رأسه سؤالٌ طويل. يبقى سؤال واحد: ماذا ستفعل كي تنجو؟

 

في الحروب، يريد الفرد أن يعيش. هذه ليست فلسفة سياسية، بل غريزة أولى. يبحث عن الطعام قبل الخطاب، وعن الطريق الآمن قبل الموقف، وعن المعلومة قبل التحليل. وكلما طال الخطر، أعاد الإنسان ترتيب أولوياته حتى يصبح البقاء نفسه قاعدة للسلوك.

 

وهنا يبدأ التحول…

فالفرد الذي يعيش وسط الحرب لا يرى المشهد كما تراه غرف العمليات. هو يرى بيته، أسرته، متجره، عمله، مدرسته، وموعد الغد. لذلك قد لا يكون السؤال الذي يشغله: من صاحب الحق في التاريخ؟ بل: من يحميني اليوم؟ ومن أستطيع أن أثق به غدًا؟

 

ومن هذه الزاوية يمكن فهم سلوكيات تبدو، من خارج المشهد، متناقضة أو قاسية. قد يصفق الفرد للمنتصر؛ لا لأنه أعاد كتابة قناعته بالضرورة، وإنما لأنه يريد أن يجد لنفسه مكانًا في اليوم التالي. ففي اللحظة التي يصبح فيها القانون ضعيفًا، تصبح القوة بالنسبة لبعض الناس وسيلة لتقليل الخطر، ويصبح الاقتراب منها نوعًا من التأمين الاجتماعي.

 

لكن الحرب لا تصنع تاريخًا واحدًا….

هناك تاريخ كبير تمشي فيه الدول والجيوش والتحالفات والخرائط. وهناك تاريخ صغير يحمله الإنسان معه: بيت يريد أن يعود إليه، صورة لا يريد أن يفقدها، مهنة يريد استعادتها، أسرة يريد حمايتها، وحلم صغير يصر على ألا يموت.

التاريخ الكبير يكتب ما حدث للسودان؛ أما التاريخ الصغير فيكتب كيف عاش السودانيون السودان.

ولهذا، حين تطول الحرب، يبدأ الإنسان في ممارسة الحياة داخل الأزمة بدل انتظار نهايتها. يفتح السوق، يشغّل المولد، يبحث عن الدواء، يزرع، يتاجر، يعلّم أبناءه، ويعيد ترتيب يومه حول الخطر. نحن نبني مدنًا فوق المقابر، ونفتح أسواقًا فوق الحروب؛ لأن الحياة لا تحصل على إذن من التاريخ كي تستمر.

 

لكن هنا تكمن المفارقة…

قد تعود الحياة قبل أن تعود الدولة إلى طبيعتها.

وقد يعمل السوق بينما تتآكل الثقة، وقد تعود الحركة إلى الشوارع بينما يبقى الخوف جالسًا في داخل الناس. وهنا لا تصبح إعادة الإعمار مسألة إسمنت وحديد فقط؛ لأن المجتمع الذي تعلّم أن يعيش بمنطق النجاة قد يواصل استخدام أدوات الحرب حتى بعد أن تتراجع الحرب نفسها لذلك تصبح المعلومة جزءًا من معادلة القوة.

 

في بيئة مضطربة، المعلومة الصحيحة ليست خبرًا؛ إنها قدرة على تقدير الخطر. معرفة أين يقع الخطر، ومن يملكه، وما الذي يتغير، وما الذي يمكن الوثوق به، وأي طريق يقود إلى الأمان؛ كل ذلك قد يكون أحيانًا أكثر قيمة من امتلاك القدرة على المواجهة نفسها.

 

ومن هنا، فإن بناء السودان لا يبدأ فقط من إعادة بناء ما تهدم، بل من إعادة بناء قدرة الإنسان على الفهم والثقة واتخاذ القرار.

 

أما القبيح الذي نحمله في لحظات الانهيار، فلا ينبغي أن نقرأه بمعزل عن البيئة التي أنتجته. الحرب لا تكشف فقط معدن الناس؛ إنها تضغط على كل نقص فيهم، وتمنح الخوف فرصة ليصبح سلوكًا، والمصلحة وسيلة دفاع، والصمت استراتيجية، والاقتراب من القوة بحثًا عن الأمان.

 

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف ننهي الحرب؟ بل: كيف ننهي قانون النجاة؟

 

لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب ليس أن تجعل الإنسان يبحث عن النجاة اليوم، وإنما أن تقنعه بأن النجاة هي الطريقة الطبيعية الوحيدة للحياة.

 

وهنا يبدأ عمل الدولة الحقيقي…

أن يعود المواطن من عقلية: كيف أنجو؟ ، إلى سؤال أكثر إنسانية: كيف أبني؟

 

فالحرب قد تتوقف عندما تصمت البنادق، وقد تُفتح الأسواق عندما يعود الأمن، وقد تُعاد المدن إلى خرائطها؛ لكن السودان لا يستعيد عافيته كاملة إلا عندما يستعيد الإنسان حقه في أن يعيش دون أن يكون البقاء مشروعه اليومي.

 

> فالنجاة تحفظ الإنسان من الموت؛ أما الدولة فتحفظ له حقه في الحياة.

 

وهذه هي المسافة التي يجب أن نعبرها.

> فكر وطني.. لتمكين الإنسان، وبناء الدولة، وصناعة المستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

الجيش يرد على اتهامات إثيوبيا: لن نسمح بالمساس بسيادة السودان وأمنه

اصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانا ردا على ماورد في تصريحات رئيس أركان قوات الدفاع …