صوت السودان المكتوم: سيادة منتهكة، وازدواجية معايير دولية، وإرادة شعبية لا تهان
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في عالم تتغنى فيه المنظمات الدولية بفضائل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام سيادة الدول، تتكشف يوماً بعد يوم هشاشة هذه الشعارات أمام امتحان المصالح والأجندات الجيوسياسية. جاءت كلمة جمهورية السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتضع المجتمع الدولي عارياً أمام مرآة تناقضاته، كاشفةً عن ملحمة قاسية يخوضها شعب متمسك بالحياة والكرامة في مواجهة حرب عدوانية غاشمة، وتواطؤ دولي صامت، عقوبات مجحفة لم تزد الأزمة إلا اشتعالاً.
لم تبدأ مأساة الخطاب السوداني عند مضامينه السياسية فحسب، بل بدأت قبل أن ينطق المتحدث بحرف واحد؛ إذ مثلت عملية حرمان فخامة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، من الحصول على تأشيرة الدخول من الدولة المضيفة، سابقة خطيرة وانتهاكاً صارخاً لاتفاق المقر لعام 1947. إن هذا الإجراء المتعمد لم يكن مجرد عرقلة إدارية، بل كان محاولة بائسة لحجب الصوت الرسمي والحقيقي للشعب السوداني عن أرفع منبر أممي، وتعطيل حق أصيل في إيصال الحقيقة الموثقة حول العدوان الذي يتعرض له الوطن. لقد أثبت هذا الموقف أن بعض القوى الكبرى تستخدم مقار المنظمات الدولية أدوات ضغط سياسي، متجاوزةً المواثيق والأعراف الدبلوماسية، وهو ما يضع شرعية ومصداقية هذه المنظمات على المحك أمام شعوب العالم الثالث.
جذور الأزمة وتناقضات العقوبات الدولية
يعيش السودان، كما أكدت الكلمة، تحت وطأة عقوبات قاسية مفروضة بموجب الفصل السابع منذ أكثر من عقدين من الزمن. ومما يثير السخرية المريرة أن هذه العقوبات، التي وُضعت نظرياً لحماية السلم، تحولت إلى أداة خنق اقتصادي فاقمت معاناة المدنيين، وأضعفت قدرة الدولة على حماية قطاعاتها الهامة، وعرقلت مسارات المصالحة الوطنية. إن المجتمع الدولي يمارس ازدواجية فجة؛ فهو يفرض عقوبات تعوق تعافي الدولة الوطنية، وفي الوقت ذاته يتغاضى عن تدفق السلاح المتطور والمرتزقة عبر الحدود لدعم المليشيات الإرهابية. هذا الصمت الدولي المخزي لا يفسر إلا بكونه تواطؤاً ضمنياً يطيل أمد الحرب، ويشجع المتمردين على ارتكاب المزيد من الفظائع بحق النساء والفتيات والمدنيين العزل.
لقد وضعت الدبلوماسية السودانية الإصبع على الجرح دون نفاق أو مواربة؛ فحرب المليشيا المتمردة (مليشيا الدعم السريع) ليست نزاعاً سياسياً داخلياً طبيعياً، بل هي عدوان همجي استهدف البنية التحتية، والمراكز الطبية، والسدود، والأعيان المدنية، وارتكب أبشع الفظائع التي وثقها التاريخ كما حدث في دارفور والفاشر. وما يزيد المشهد قتامة هو استمرار الدعم اللوجستي والعسكري والسياسي الذي تتلقاه هذه الميليشيات من أطراف إقليمية وخارجية، تفتح أراضيها لمرتزقة أجانب يشكلون النسبة الأكبر من قوام تلك القوات، وتقيم المستشفيات لمعالجة جرحاهم في وضح النهار. إن هذه الدول الراعية تشارك بدم بارد في استباحة الدماء السودانية، مستغلة منابر إعلامية ممولة لتلفيق التهم للقوات المسلحة السودانية -تلك المؤسسة العريقة التي دافعت عن حرية العالم وحاربت جنباً إلى جنب مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية- جزاءً سنمار ومحاولة بائسة لتدميرها وتفكيك وحدة البلاد.
وسط هذا الركام من المؤامرات والدمار، ترسم القيادة السودانية خارطة طريق واضحة المعالم للسلام المستدام. إن هذا السلام المأمول لا يمكن أن يولد عبر صفقات مشبوهة أو فرض أجندات خارجية تتجاهل جذور الأزمة، بل ينبثق من تفكيك الميليشيا الإرهابية ونزع سلاحها بالكامل، وحصر السلاح حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، وإطلاق حوار سوداني-سوداني شامل وذي ملكية وطنية خالصة، بعيداً عن الترهيب والتدخلات الخارجية والضغوط المقيتة، مع الالتزام الكامل ببنود إعلان جدة، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية وتوفير الممرات الآمنة للمدنيين، والتمسك بالمسار الديمقراطي الذي يفضى في نهايته إلى انتخابات حرة ونزيهة يقرر فيها الشعب السوداني وحده من يحكمه بمراقبة إقليمية ودولية.
إن المعركة التي يخوضها السودان اليوم هي معركة وجود، دفاعاً عن الكيان والسيادة واستقلال القرار الوطني. وكما صدحت جماهير الشعب السوداني خلف قائدها وهي تهتف بعزم لا يلين: «جيش واحد، شعب واحد»، فإن السودان بماضيه العريق وحضارته الضاربة في جذور التاريخ قادر على طي صفحة التمرد والعدوان، مستنداً إلى إرادة أبنائه الأحرار، وتضامن الدول الشقيقة والصديقة المخلصة. إن محاولات كسر إرادة الأمة السودانية ستتحطم على صخرة صمودها الأسطوري، ولن يبقى في النهاية إلا وطن سيد، آمن، ومستقر.
رجل المرحلة القادمة
عزيزي القارئ لعلك تدرك بأن المرحلة القادمة تحتاج لرئيس وزراء صاحب فكرة سامية يحمل السودان …





