‫الرئيسية‬ مقالات آبي أحمد… والدخول في مستنقع السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫52 دقيقة مضت‬

آبي أحمد… والدخول في مستنقع السودان

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

إنها لحظةٌ فارقةٌ في تاريخ رجلٍ بدأ حياته السياسية كأيقونةٍ للسلام وحائزاً على جائزة نوبل، ثم انتهى به المطاف كزعيم حربٍ يخوض معارك بقاءٍ في كل اتجاهٍ، حتى أدخل نفسه بنفسه في مستنقعٍ لم يكن مضطراً لدخوله أبداً، هو مستنقع السودان.

 

لقد كان آبي أحمد يملك كل شيءٍ ليكون رجل إثيوبيا القوي والمستقر، يملك شعباً يزيد على مائةٍ وعشرين مليوناً، واقتصاداً صاعداً، وجيشاً كان يعتبر الأقوى في القرن الإفريقي، وسداً ضخماً حلم به كل إثيوبيٍ. لكنه اختار طريقاً آخر، طريق المغامرة الخارجية لتغطية الفشل الداخلي، ووجد في الأزمة السودانية فرصةً ذهبيةً ليصدر أزماته، فإذا به يستورد الهزيمة إلى داخل قصره في أديس أبابا.

 

إن دخول آبي أحمد في مستنقع السودان لم يكن دخولاً عسكرياً مباشراً بجيشٍ نظاميٍ يرفع علماً، بل كان دخولاً أكثر خبثاً وأكثر خطورةً، دخولاً عبر الظلال والمطارات الخلفية والممرات السرية.لقد تحولت المطارات الإثيوبية، وخاصةً مطار بولي الدولي ومطاراتٌ عسكريةٌ في إقليم أمهرة، إلى منصاتٍ لوجستيةٍ تمر عبرها شحنات السلاح والطائرات المسيرة والمرتزقة المتجهة إلى مليشيا الدعم السريع. لقد كان يعتقد أن هذه اللعبة ستبقى سراً، وأن السودان سينشغل بحربه ولن ينتبه، وأن المجتمع الدولي سيغض الطرف، وأن هذه الورقة ستمنحه نفوذاً في ملف الفشقة وملف سد النهضة وملف الحدود.

 

لكنه نسي قانوناً بسيطاً في الجغرافيا السياسية، وهو أن المستنقع لا يبتلع عدوك وحده، بل يبتلع كل من يقترب من حافته. فالسودان ليس دولةً هامشيةً يمكن العبث بها بلا ثمنٍ، السودان هو العمق الاستراتيجي لإثيوبيا، هو رئتها التي تتنفس منها، هو سوقها وحدودها وممرها إلى العالم العربي. وعندما تضع يدك في جرح جارك لتوسعه، فإن الدم سيلطخ يدك أولاً.

 

واليوم، وبعد عامين من العبث في الملف السوداني، يدفع آبي أحمد الثمن كاملاً وبقسوةٍ. ففي العشرين من سبتمبر من العام الفين وسته وعشرين، تشكل ضده تحالفاً لم يكن يخطر بباله، تحالفاً يضم سبع حركاتٍ مسلحةٍ كانت تتقاتل فيما بينها، من تيغراي إلى فانو إلى أورومو إلى أوغادين وعفر وبني شنقول وقوموز. هذا التحالف هو نسخةٌ طبق الأصل من التحالف الذي كانت إثيوبيا تشجع تشكيله في السودان، تحالفٌ من كل المتناقضات ضد المركز. وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة على أرض إثيوبيا.

 

وفي الثالث والعشرين من سبتمبر، جاءت الضربة التي قصمت ظهر آبي أحمد، حيث سقطت مطارات ميكلي وأكسوم وشيري في يد قوات تيغراي، وهي نفس المطارات التي كان يستخدمها كقواعدٍ لضرب السودان، فسقطت في يد أعدائه. وأصبحت قواته الفيدرالية التي كان يتباهى بها، تواجه تمرداً في نصف أقاليم البلاد في وقتٍ واحدٍ، وأصبحت حكومته تتهم إريتريا بالتوغل واحتلال ستةٍ وثلاثين ألف كيلومتراً مربعاً، وهي نفسها التهمة التي كان السودان يوجهها إليه.

 

إن دخول آبي أحمد في مستنقع السودان كان خطأً استراتيجياً قاتلاً لسببين .

السبب الأول أنه كشف ضعف الدولة الإثيوبية بدلاً من قوتها. فالدولة القوية لا تحتاج إلى ميليشيا جارةٍ لتثبت نفوذها، بل تحتاج إلى اقتصادٍ قويٍ ومؤسساتٍ مستقرةٍ. وعندما انكشفت أوراقه في السودان، فقد احترام حتى حلفائه، وأصبح ينظر إليه كزعيمٍ مغامرٍ لا يمكن الوثوق به.

 

 

والسبب الثاني والأكثر حزناً، أن آبي أحمد خسر فرصةً تاريخيةً ليكون رجل سلامٍ حقيقيٍ في القرن الإفريقي. لقد كان بإمكانه أن يكون الوسيط النزيه في الحرب السودانية، أن يجمع ولايفرق، وأن يطرح مبادرةً للسلام تخلد اسمه، لكنه اختار أن يكون طرفاً في الحرب، فخسر الوساطة وخسر الحرب معاً.

 

إن المشهد اليوم في أديس أبابا حزيناً للغاية، رئيس وزراءٍ حاصلٍ على نوبل للسلام يشن أكثر من واحدٍ وعشرين غارةً جويةً في يومين على شعبه، ويغلق القنوات التلفزيونية ويصفها بالإرهاب، ويواجه سبع جبهاتٍ مسلحةٍ في آنٍ واحدٍ، بينما مطاراته تسقط واحداً تلو الآخر. هذا ليس مشهد قوةٍ، بل هو مشهد نهايةٍ.

 

إنها نهايةٌ حزينةٌ لرجلٍ كان يمكن أن يكون مانديلا إثيوبيا، لكنه اختار أن يكون مغامرها الأخير، فدخل مستنقع السودان بقدميه، وسيخرج منه محمولاً على أكتاف الفوضى التي صنعها بيديه.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

د.أحمد حمزة يتفقد مشروعات إعادة الإعمار بداخليات دنقلا

نفذ الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب د. أحمد حمزة الامين. الثلاثاء جولة ميدانية ل…