السودان.. الاستجابة التي تكتب ملامح سودان جديد
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في الدولة، ليست كل الاستجابات متشابهة؛ بعضها يعالج حالة، وبعضها يرسل رسالة.
في مقالنا بالأمس، توقفنا عند «ثقافة الانتظار» ، كيف تتحول الأزمة الطويلة من ظرف نعيشه إلى سلوك نتعلمه، حتى يصبح انتظار القرار جزءًا من حياتنا.
واليوم، تأتي حالة مختلفة، لكنها متصلة بها مباشرة ، فمنذ الأمس، تتسع المناشدات للسماح للمشير/ عمر حسن أحمد البشير، الرئيس السابق – القائد العام السابق للقوات المسلحة، بتلقي العلاج خارج السودان. ووفق ما أُعلن ، فقد مُنحت موافقة مبدئية على سفره، لكن تنفيذها لم يتم بعد، فيما أوضح محاميه أن حالته تتطلب فحوصات وإجراءات غير متاحة في السودان.
هنا لا ينبغي أن يكون السؤال مع البشير أم ضده؟ ، فهذا سؤال سياسي له ساحته. السؤال الذي يهم الدولة هو: ماذا تريد أن تقول عن نفسها وهي تتعامل مع إنسان، كان يومًا رئيسًا لهذا البلد وقائدًا عامًا لقواته المسلحة؟
يمكن للسودانيين أن يختلفوا جذريًا حول تجربة البشير، وأن يختلفوا حول المسؤوليات والقرارات والسنوات التي حكم فيها. ويمكن للعدالة أن تواصل مسارها في ما يتعلق بالاتهامات والقضايا القائمة.
لكن العلاج ليس حكمًا على التاريخ، والرعاية الطبية ليست تسوية سياسية، والرحمة لا تلغي العدالة.
وهنا تكمن قيمة القرار….
إذا استجابت الدولة، وفق القانون والضوابط التي تراها مناسبة، فإنها لا تمنح البشير امتيازًا سياسيًا بقدر ما تمنح الدولة السودانية فرصة لتقديم نموذج مختلف في إدارة الخلاف ، دولة تستطيع أن تحاسب دون أن تنتقم، وتختلف دون أن تنزع الإنسانية، وتحفظ هيبة القانون دون أن تفقد حس الدولة.
> وهذا تحديدًا هو أحد وجوه القوة الناعمة.
فالقوة الناعمة لا تُصنع كلها في المؤتمرات ولا في البيانات الدبلوماسية. أحيانًا تُصنع في قرار هادئ لا يحتاج إلى ضجيج قرار يرى العالم من خلاله أن السودان، رغم الحرب وما تركته من جراح، ما زال قادرًا على إنتاج سلوك دولة تتقدم أخلاقيًا على أزمتها.
ولعل الرسالة الأهم ليست إلى الخارج، وإنما إلى الداخل.
> كيف نريد للسودانيين أن يتعلموا شكل الدولة التي ستأتي بعد الحرب؟
إذا ظل كل خلاف سياسي ينتظر تسوية سياسية، وكل جرح ينتظر نهاية الحرب، وكل حق إنساني ينتظر اكتمال الخصومة، فلن نغادر ثقافة الانتظار التي تحدثنا عنها صباحًا.
أما إذا بدأت الدولة في صناعة الاستجابة، حتى في الملفات الحساسة، فإنها تضع لبنة في سلوك جديد والاستجابة هنا ليست تنازلًا. إنها قوة دولة تعرف الفرق بين حقها في المساءلة وواجبها في الإنسانية.
وربما لهذا تحديدًا تصبح هذه اللحظة أكبر من حالة عمر البشير.
إنها فرصة لأن تقول القيادة السودانية، بالفعل لا بالشعار: إن السودان الذي خرج من الحرب لن يكون نسخة من السودان الذي دخلها.
سودان جديد لا يعني أن ننسى الماضي، بل أن نتعلم كيف نتعامل معه دون أن يظل أسيرًا لنا.
ولا يعني أن نتجاوز القانون، بل أن نثبت أن القانون يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الكرامة الإنسانية.
ولا يعني أن نتفق على تاريخ واحد، بل أن نمتلك أخلاق دولة واحدة رغم اختلاف الذاكرة.
لهذا، فإن استكمال السماح بالعلاج خارج البلاد، متى استوفت الإجراءات القانونية والأمنية اللازمة، لن يكون مجرد قرار يتعلق برجل.
قد يكون أحد تلك القرارات الصغيرة التي تكتب ملامح السودان الكبير الذي نريده.
فالدولة لا تكتب مستقبلها فقط بالقرارات الكبرى.أحيانًا تكتبه في الطريقة التي تستجيب بها لمناشدة إنسانية.ومن ثقافة الانتظار… يمكن أن نبدأ ثقافة الاستجابة.
وهنا، ربما تبدأ أولى سطور السودان الجديد.
مابين شاورما مناوي وكباب البرهان يكون البل بس
اركو مناوي شكرانين على التصريحات حول الهدنه والتي تقف خلفها الدويله وتاجر الخردة النسيب ال…





