‫الرئيسية‬ مقالات معادلة التعافي الوطني: بين الاستثمار الزراعي، والعدالة المالية، والاستجابة المناخية
مقالات - ‫‫‫‏‫5 ساعات مضت‬

معادلة التعافي الوطني: بين الاستثمار الزراعي، والعدالة المالية، والاستجابة المناخية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

تمر الأوطان في لحظات التحول الكبرى باختبارات قاسية تتداخل فيها أزمات الداخل المتشابكة مع تعقيدات المشهد الدولي المتغير. وفي قلب هذه التحديات، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لبلد يعاني من تبعات النزاعات والصدمات الاقتصادية أن يستعيد توازنه ويضع أقدامه على طريق التعافي المستدام؟

إن القراءة المتأنية للمشهد الميداني والدبلوماسي الاقتصادي الراهن تكشف عن استراتيجية متكاملة تتشكل ملامحها لمواجهة هذه المرحلة الحرجة، استراتيجية ترتكز على محورين أساسيين: تثبيت دعائم الإنتاج المحلي عبر دعم الشريان الزراعي بالداخل، وحشد الدعم الدولي لتأمين التمويل وتعديل قواعد اللعبة الاقتصادية بالخارج.

لا يمكن لأي اقتصاد يستهدف التعافي والاستقرار أن يتجاهل قطاعه الزراعي، الذي يمثل طوق النجاة الحقيقي لقطاعات واسعة من المواطنين. وفي هذا السياق، يتجلى الاهتمام الرسمي بتطوير وتطهير القنوات الرئيسية للإنتاج، وعلى رأسها مشروع الجزيرة والمناقل بوصفه الركيزة المحورية للأمن الغذائي والداعم الأساسي للخزانة العامة.

إن الدعم العيني والمالي الأخير وجهود تمكين جمعيات المزارعين والمنتجين – سواء بتوفير الحفارات لتطهير قنوات الري، أو توفير آليات الحركة واللوجستيات لمجالس الإنتاج، بالإضافة إلى تخصيص مبالغ ضخمة لدعم الوقود وطلمبات الري – يعكس إدراكاً عميقاً بأن النهوض بهذا المشروع هو خط الدفاع الأول عن القوة الشرائية للمواطن والسبيل الأوحد لاستعادة القدرات التصديرية. إن حل المشكلات الميدانية والري بشكل جذري لا يخدم المزارعين فحسب، بل يضع لبنة أساسية في هيكل التعافي الاقتصادي الكلي.

في وقت تتلاطم فيه أمواج الأزمات العالمية – بدءاً من اضطرابات حركة التجارة الدولية في المضايق البحرية الحيوية وما يترتب عليها من اختناقات في إمدادات الطاقة والأسمدة، وصولاً إلى ظواهر الجفاف وشح الأمطار – تأتي التحركات الخارجية لربط التحديات الوطنية بالواقع الدولي.

إن النقاشات الجارية مع المؤسسات والأجهزة الأممية المتخصصة لتأمين سلاسل الإمداد ومواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والمدخلات الزراعية تُبرز تحولاً مفهومياً مهماً: إن حماية الموسم الزراعي المحلي ليست مجرد شأن داخلي، بل هي مصلحة إقليمية ودولية يرتبط بها استقرار الأمن الغذائي في المنطقة بأسرها.

إن الانتقال من مجرد الاستجابة الإنسانية العاجلة إلى تمكين الدولة والمنتجين من إنتاج غذائهم محلياً هو الفارق بين الارتهان للمساعدات وبين بناء الصمود الاقتصادي المستدام.

على صعيد السياسات المالية الكلية، تظل معركة تعبئة الموارد المحلية وإعادة بناء المؤسسات الإيرادية التحدي الأكبر للدول المتأثرة بالنزاعات. وفي هذا الإطار، ينطلق الصوت الوطني في المحافل الدولية للمطالبة بـ نظام ضريبي دولي أكثر عدالة وأنصافاً.

لقد أدت ظروف الحرب والنزاعات إلى أضرار جسيمة بالمؤسسات العامة وبنيتها التحتية، مما ضعف القدرة على تحصيل الإيرادات التقليدية. ومن هنا، تبرز ضرورة إصلاح النظام الضريبي عبر التحول نحو الإدارة الرقمية الشاملة للضرائب والجمارك، وتوسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب والتدفقات المالية غير المشروعة، ومطالبة المؤسسات الدولية بصياغة قواعد مراعية للظروف الخاصة للدول النامية، لا سيما فيما يتعلق بضرائب الاقتصاد الرقمي والخدمات العابرة للحدود.

إن تمكين الدول المتأثرة بالنزاعات من استخلاص حقوقها الضريبية العادلة بدعم فني ومالي من المنظمات الدولية يمثل شرطاً شارحاً لاستعادة قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار.

لم تعد التغيرات المناخية ترفاً فكرياً أو تحذيرات مستقبلية، بل أصبحت واقعاً يهدد سبل كسب العيش بشكل مباشر، خصوصاً من خلال ظواهر مثل “النينيو” وموجات الجفاف. وفي هذا الصدد، تتأكد أهمية مطالبة القوى الاقتصادية الدولية والمؤسسات المالية الكبرى بضرورة تقديم تمويل مناخي ميسر ومباشر يتماشى مع حجم المخاطر التي تتكبدها الشعوب النامية.

إن إجراء تقييمات عاجلة للتأثيرات المناخية وتحديد الاحتياجات التمويلية للقطاعات الإنتاجية يمثل الخطوة الأولى لمنع الوقوع في كوارث غذائية، وهو ما يتطلب موقفاً دولياً يتحمل مسؤولياته التاريخية والأخلاقية تجاه الدول الأكثر عرضة للاضطرابات المناخية.

تتصل هذه المحاور المتعددة لتشكل رؤية شاملة للعبور من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التعافي. فلا يمكن لجهود التمويل الدولي أو الإصلاح الضريبي أن تؤتي أكلها دون أرضية إنتاجية صلبة في الداخل كـ “مشروع الجزيرة والمناقل”؛ وفي المقابل، لا يمكن للمنتج المحلي أن يصمد أمام الصدمات الخارجية والبيئية دون دعم حكومي مباشر ودبلوماسية اقتصادية نشطة تنتزع الحقوق وتؤمن سلاسل الإمداد.

إن الرهان الحقيقي للعبور نحو المستقبل يكمن في تحويل هذه الوعود والتفاهمات الدولية إلى خطة عمل تنفذ على الأرض، تجعل من الإنتاج الزراعي والعدالة الاقتصادية المحركين الأساسيين لبناء سودان مستقر وآمن ومكتفٍ ذاتياً.

خلاصة القول : إن حماية الأمن الغذائي وإعادة بناء الاقتصاد في أوقات الأزمات ليسا مجرد تدابير طارئة، بل هما رؤية استراتيجية تتطلب تتويج الدعم الداخلي للقطاعات الإنتاجية بالضغط الدولي لتوفير شروط تجارية ومالية ومناخية عادلة.

‫شاهد أيضًا‬

رحيل الفارس الجسور

لم يكن اليومان الماضيان عاديين بالنسبة لي فقد كانا مثقلين بالتفاصيل والانشغالات التي أبعدت…