‫الرئيسية‬ مقالات من بين الركام تنهض الحياة: إزالة الأنقاض كبوابة أولى للعودة الطوعية
مقالات - ‫‫‫‏‫43 دقيقة مضت‬

من بين الركام تنهض الحياة: إزالة الأنقاض كبوابة أولى للعودة الطوعية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

إن المأساة التي تخلفها النزاعات المسلحة لا تنتهي بمجرد صمت أصوات البنادق أو انحسار المواجهات، بل تبدأ بعدها مرحلة لا تقل ضراوة تتمثل في مواجهة الآثار المادية والنفسية للدمار. وفي هذا السياق، تبرز ولاية الخرطوم اليوم وهي تتلمس خطواتها الأولى نحو التعافي والاستقرار، وسط تلال من الأنقاض والمباني المهدمة التي باتت تشكل العائق الأكبر أمام استعادة الحياة الطبيعية. ومن هنا، تكتسب المبادرات الدولية الموجهة لدعم البنية التحتية قيمة مضاعفة، لا بصفتها مجرد دعم لوجستي أو تقني، بل باعتبارها الركيزة الأساسية التي يرتكز عليها خيار “العودة الطوعية” لملايين النازحين والمهجرين قسراً.

تجسد الشراكة الدولية الأخيرة بين السودان واليابان، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، نموذجاً واعياً لطبيعة الاحتياجات في مرحلة ما بعد النزاع. إن تقديم دعم فني ولوجستي يتجاوز أربعة ملايين دولار لتوفير آليات متخصصة في إدارة وإزالة الأنقاض، إلى جانب بناء القدرات والتدريب، ليس مجرد مشروع إعمار تقليدي، بل هو استثمار مباشر في الأمل الإنساني. فهذه الخطوة، القادمة في إطار التزامات مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الإفريقية (تيكاد 9)، تعكس إدراكاً عميقاً بأن العودة الطوعية للنازحين لا يمكن أن تظل شعارات مجردة، بل تتطلب بيئة أرضية آمنة ومجهزة تستوعب عودة المواطنين إلى أحياء ومدن قابلة للحياة.

يمثل وجود الأنقاض والركام في الأحياء السكنية والشوارع الرئيسة عائقاً مركباً؛ فهو من جهة يهدد السلامة الجسدية والصحية للمواطنين لما يحويه من مخلفات خطرة وركام آيل للسقوط، ومن جهة أخرى يمثل حاجزاً نفسياً كبيراً يمنع الأسر المهجرة من التفكير في العودة. فالنازح عندما يفكر في الرجوع إلى دياره، لا يبحث فقط عن الأمن الأمني، بل يبحث عن إمكانية الوصول إلى بيته، وتوفر الخدمات الأساسية، وسهولة حركة آليات الصيانة والإغاثة. وبالتالي، فإن عملية تطهير العاصمة من مخلفات الدمار تعد شرطاً شارحاً ومسبقاً لا غنى عنه لإحياء الدورة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

إن البعد الإنساني لمشروع إزالة الأنقاض يكمن في كونه يضع اللبنة الأولى لتعافي المجتمعات المحتضرة. فعندما تنفتح الطرقات وتُزال المخاطر من الأحياء، يترسخ لدى المواطن الشعور بالأمان والاستقرار، مما يشجعه على مغادرة مراكز الإيواء ومناطق النزوح المؤقتة والعودة لبناء ما تدمر. إن العودة الطوعية للنازحين ليست مجرد نقل أفراد من مكان إلى آخر، بل هي إعادة نسج للنسيج الاجتماعي وتمكين للمجتمعات المحلية من استعادة استقلاليتها وكرامتها المعيشية.

علاوة على ذلك، يمثل هذا التوجه الاستراتيجي تحولاً مهماً من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مرحلة التنمية المستدامة وتعزيز الصمود. فالتدريب وصياغة الخطط وتوفير المعدات الحديثة لإدارة الأنقاض تمنح المؤسسات المحلية القدرة على إدارة الأزمات البيئية والعمرانية بكفاءة مستقبلاً، مما يعزز مناعة العاصمة في مواجهة التحديات.

في الختام، إن إعادة بناء المدن المكلومة لا تبدأ بطلاء الجدران أو تشييد المباني الفارهة، بل تبدأ بتمهيد الأرض ورقع جراح المدينة عبر رفع الركام الذي يذكر بالألم. وإن أي جهد دولي يصب في فتح مسارات العودة الآمنة للنازحين هو في حقيقته جهدٌ لإعادة الحياة إلى قلب السودان، لتظل العودة الطوعية حقاً مكفولاً يسانده الفعل الميداني والإرادة الصادقة لإعادة البناء.

‫شاهد أيضًا‬

منظمة العمل الإنساني والتنمية المستدامة ومنظمة الإدارة الأهلية للسلام والتنمية توقعان بروتوكول تعاون لتعزيز الشراكة في مجال السلام والتماسك المجتمعي

عُقد بمقر منظمة العمل الإنساني والتنمية المستدامة وذلك في إطار تعزيز التعاون المشترك وبناء…