‫الرئيسية‬ مقالات الشهادة السودانية التي نريد    بِقَلَمِ: عَبَّاس الخِدِيوِي
مقالات - سبتمبر 18, 2025

الشهادة السودانية التي نريد    بِقَلَمِ: عَبَّاس الخِدِيوِي

كنس آثار الحوري.. ضياع البوصلة في امتحانات السودان

♦️ منذ أن غيب الموت الأستاذ محمود سرّ الختم محمد الحوري عن ساحة وزارة التربية والتعليم، بدت إدارة الامتحانات وكأنها فقدت روحها الحقيقية. الرجل الذي ظل يردّد أنّ “الشهادة السودانية أمن قومي” لم يكن يبالغ؛ فقد كان يعرف من خبرته أن الامتحانات ليست مجرد أوراق مطبوعة بل صرح سيادي ترتبط به ثقة الداخل والخارج، ومكانة التعليم السوداني في الإقليم والعالم.

 

♦️ لكن ما حدث بعده لا يمكن وصفه إلا بعملية “كنس آثار الحوري”، إذ جرى تغييب إرثه الإداري والفني، واستبعاد الكفاءات التي تشرّبت من خبرته وتدرّبت على يديه، ليحلّ مكانهم موظفون محدودو الخبرة جرى ترفيعهم من مواقع إجرائية ضيقة ـ كمسؤول الترحيلات والوقود وجدته بكاونتر الكنترول ـ ليجلسوا على مقاعد لا تحتمل إلا أصحاب الكفاءة العالية والخبرة الطويلة. ورؤساء الحجرات الذين كانوا الدينمو المحرك لعملية الكنترول وجدتهم استبعدوا ليس بسبب غير أنهم كانوا يعملون مع المرحوم الحوري وجاؤوا بآخرين إن أردت أن تصفهم فلن تجد أنسب من كلمة (الضعف) و(قلة المهارة والخبرة )

 

📌 إرث الحوري: (مدرسة ضُيّعت)

 

♦️ الحوري لم يكن مجرد إداري؛ كان مدرسة تخرّج فيها رجال ونساء عرفوا كيف تُدار العمليات المعقدة التي تبدأ من صياغة الأسئلة، مروراً بالطباعة والنقل والتوزيع، وانتهاء بالتصحيح وإعلان النتائج. كان يدرك أن أي خلل في هذه السلسلة يضرب ثقة مجتمع كامل، بل ويعرّض سمعة السودان التعليمية للخطر.

لكن رحيله لم يقابَل بتثبيت هذا الإرث، بل بتعجّل في طمس معالمه، وكأن المطلوب نسيان الرجل وما أنجزه، لا البناء على ما خلّفه من تراكمات.

 

📌 التعيين بالمحاباة..لا بالكفاءة :

 

♦️ ما جرى في إدارة الامتحانات يعكس أزمة أعمق: غلبة المحاصصة والولاءات الضيقة على حساب المؤسسية بدلاً من اختيار الكفاءات المجربة وذوي الدراية العملية، جرى ترفيع أشخاص لا يملكون سوى خبرة إجرائية محدودة، لتوكل إليهم ملفات حساسة تتطلب خبرة متراكمة وإلماماً بتفاصيل دقيقة. والنتيجة كانت ارتباكاً إدارياً واضحاً، وتراجعاً في الانضباط الذي ميّز المؤسسة في عهد الحوري.

 

📌 الشهادة السودانية… من “أمن قومي” إلى “ورق مطبوع”

 

♦️ خطر هذه التغييرات لا يقف عند حدود الأخطاء الإدارية، بل يتجاوزها إلى تهديد حقيقي لمكانة الشهادة السودانية. فمنذ عقود، مثّلت هذه الشهادة بطاقة عبور للطلاب السودانيين إلى الجامعات العالمية، وكان يُنظر إليها كرمز لمتانة التعليم السوداني. لكن مع غياب الكفاءات وتراجع المهنية، بات الخوف مشروعاً من أن تتحول إلى ورقة عادية، قابلة للتشكيك أو للتلاعب، فاقدة للهيبة والموثوقية.

 

📌التدخل الأمني… والغياب الفني

 

♦️لا جدال أن تأمين الامتحانات مسألة سيادية، لكن المبالغة في النظر إليها من زاوية أمنية بحتة أضعفت الجانب الفني. فالمطلوب هو توازن بين الضبط الأمني الصارم وبين الاحتراف المهني القادر على إدارة التفاصيل المعقدة. وعندما يُقصى الفنيون الذين تربّوا على يد الحوري بحجة تبديل الوجوه أو توزيع الولاءات، فإن النتيجة الحتمية هي ثغرات في المنظومة.

 

📌 الآثار الماثلة والمخاطر القادمة:

– اضطراب في مراحل الطباعة والتوزيع والتصحيح.

– ضعف في سلسلة الحيازة (chain of custody) للأوراق.

– تآكل ثقة الطلاب وأسرهم في نزاهة الامتحانات.

– إحباط الكفاءات المؤهلة وهجرتها إلى خارج المؤسسة.

– تهديد لمصداقية السودان أمام الجامعات الإقليمية والعالمية.

 

 

📌 طريق الإصلاح.. هل من عودة؟:

 

♦️ الحل لا يكمن في اجترار الماضي أو اجتراء الولاءات، بل في إعادة الاعتبار للكفاءة المؤسسية والمطلوب:

– تقييم عاجل للكفاءات المستبعدة وإعادة دمج من يمكن الاستفادة منهم.

– تأسيس هيأة مستقلة لإدارة الامتحانات محمية من التجاذبات السياسية.

– وضع بروتوكولات مكتوبة للتشغيل، وتوثيق الخبرات لضمان انتقالها.

– تحديث النظام بتقنيات التشفير والرقمنة مع الحفاظ على السرية.

– إشراك المجتمع عبر تقارير شفافة عن سير العملية الامتحانية.

 

📌خاتمة :

♦️ لقد كان الحوري يرى في الشهادة السودانية مسألة حياة أو موت لمصداقية التعليم في السودان. واليوم، مع طمس إرثه واستبعاد رجاله، تتهدد هذه الشهادة ما كان يحذر منه: أن تفقد هيبتها، وأن يتحوّل الامتحان من قضية أمن قومي إلى مجرد ورق يطبع ويوزّع. وإذا لم تُتخذ خطوات جادة لإصلاح الخلل، فإن السودان سيخسر أحد آخر معاقل الثقة في نظامه التعليمي.

 

كسرة :

 

انقذوا الشهادة السودانية قبل أن يقع الفأس في الرأس .. وحينها لا ينفع الندم .. ولات حين مندم

‫شاهد أيضًا‬

قدم التهنئة للمبدعين – مفضل ضيفاََ على مركز الفضاء العالمي!!

بتنسيق وترتيب من الأخوين الكريمين مختار دفع الله مدير مركز الفضاء العالمي والمشرف على المن…