‫الرئيسية‬ مقالات نقطة إرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:حين تجتمع الخصوم أمام عدالة السماء
مقالات - سبتمبر 24, 2025

نقطة إرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:حين تجتمع الخصوم أمام عدالة السماء

الظلم لا يُمحى بالتقادم، ولا تُغسله خطابات التبرير، ولا تُنسيه ضوضاء المعارك. هو جرحٌ في جسد الوطن، وندبةٌ في ضمير الإنسانية، وصرخةٌ لا تهدأ حتى يُرد الحق لأهله. في السودان، حيث اختلط الدم بالتراب، وتحوّلت المدن إلى ساحاتٍ للنهب والاغتصاب والترويع، لم يعد الصمت خياراً، ولم يعد الحياد ممكناً. فالمليشيا التي اجتاحت البيوت، وسرقت الممتلكات، وانتهكت الأعراض، لا يمكن أن تُعامل كطرفٍ سياسيٍ أو قوةٍ متمردةٍ فحسب، بل يجب أن تُواجه كمنظومةٍ إجراميةٍ ارتكبت جرائم حربٍ موثقةٍ، لا تسقط بالتقادم، ولا تُغتفر بالتسويات.

 

الديان لا يموت، وعند الله تجتمع الخصوم. هذه ليست كلماتٌ عابرة، بل وعدٌ إلهيٌ يُعيد التوازن حين تختل الموازين، ويُعيد الحقوق حين تُغتصب، ويُقيم العدل حين يُغيب. أفراد المليشيا الذين سرقوا ونهبوا واغتصبوا ودمروا، لن تُنقذهم التحالفات، ولن تُبرئهم البيانات، ولن تُنسي الناس أفعالهم صورٌ إعلاميةٌ مزيفةٌ. فالشعب السوداني، الذي صبر كثيراً، واحتمل كثيراً، لا يطلب الانتقام، بل يطلب العدالة، ويُطالب بالمحاسبة، ويُصر على أن تُقال الحقيقة كما هي، دون تزييفٍ أو مواربة.

 

هل رجعتم إلى رشدكم؟ هل حاسبتم أنفسكم؟ هل نظرتم إلى مصلحة الوطن الذي مزقتموه؟ هذه الأسئلة ليست موجهةً فقط إلى من حمل السلاح، بل إلى كل من صمت، أو برّر، أو تواطأ، أو اكتفى بالمراقبة. فالوطن لا يُبنى بالحياد، ولا يُحمى بالصمت، ولا يُسترد بالتمنيات. الوطن يُستعاد حين يُقال للظالم أنت ظالم، وللمجرم أنت مجرم، وللخائن أنت خنت العهد والدم والأرض.

 

التقارير الحقوقية التي خرجت من السودان، والتي عُرضت أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وثّقت بالأرقام والوقائع ما ارتكبته مليشيا الدعم السريع من جرائم قتلٍ واغتصابٍ ونهبٍ وتهجيرٍ قسريٍ، وما خلّفته من دمارٍاقتصاديٍ واجتماعيٍ يُقدّر بمئات المليارات. هذه ليست رواياتٍ شعبيةً، بل حقائقٌ موثقةٌ، وشهاداتٌ دامغةٌ، وملفاتٌ تنتظر العدالة الدولية والوطنية لتقول كلمتها.

 

السودان اليوم لا يحتاج إلى تسوياتٍ تُغفل الحقوق، ولا إلى صفقاتٍ تُبيّض الجرائم، بل يحتاج إلى مشروعٍ وطنيٍ يُعيد بناء الدولة على أسسٍ من العدالة والمحاسبة والشفافية. يحتاج إلى خطابٍ صريحٍ يُدين الجرائم، ويُطالب بالعقاب، ويُعيد للضحايا كرامتهم، وللوطن هيبته، وللمستقبل أمانه.

 

الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، لكنه أيضاً ظلماتٌ في حياة الشعوب، لا تُنقشع إلا حين يُضاء طريق العدالة، وحين يُحاسب كل من أجرم في حق هذا الوطن العظيم. فلتكن هذه اللحظة بدايةً لمواجهةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ وقانونيةٍ، لا تُجامل أحداً، ولا تُساوم على الدم، ولا تُفرّط في الكرامة.

 

السودان يستحق أن يُكتب تاريخه بلغةٍ منصفةٍ.ويستحق أن تُروى قصته من موقع الضحية التي تُطالب بحقها، لا من موقع المتفرج الذي يكتفي بالرثاء. فليكن هذا المقال صوتاً لمن لا صوت لهم، ونداءً لمن لا يزال في قلبه ذرةٌ من ضمير، بأن الوطن لا يُبنى على أنقاض الجريمة، ولا يُشفى إلا بالحق.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حمقى ولصوص لجنة التفكيك (٤—٧)٠٠ البلاغ الثالث : نهب المجرم وجدي صالح لشركات قطاع الدواجن..

ضمن مقالاتنا المتتالية توثيقًا لجرائم لجنة التفكيك الفاسدة كنا قد بدأنا بمقالين سابقين عن …