‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل بين طرح الشيخ ولد الددو ونصوص الوحي: قراءة تصحيحية لقضية الحكم في الإسلام  د. محمد فضل محمد
مقالات - سبتمبر 29, 2025

خواطر ابن الفضل بين طرح الشيخ ولد الددو ونصوص الوحي: قراءة تصحيحية لقضية الحكم في الإسلام  د. محمد فضل محمد

اطلعت على كلام الشيخ محمد الحسن ولد الددو – حفظه الله – فيما ذكره عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وما ترتب عليها من أحداث، وأنه لم يكتب دستورًا، ولم يبيّن طريقة اختيار الحاكم أو محاسبته وعزله، ولم يعيّن حاكمًا بعينه، فكانت – بحسب قوله – أزمة ارتد بسببها جمهور المسلمين، ثم خلص إلى أن الخلفاء الراشدين هم الذين أوجدوا للأمة نظامًا هو أفضل النظم بعد النبوة. ومع تقديرنا للشيخ، فإن هذا الكلام يحتاج إلى بيان وتدقيق، لأن الإسلام قد ترك لنا دستورًا أوضح من كل دستور، ومبادئ خالدة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الموطأ للإمام مالك (ج2، ص899): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي». وهل هناك دستور أعظم من القرآن والسنة؟ فقد تضمّنا العقيدة والشريعة، والعبادات والمعاملات، والأخلاق والسياسة، وجعلا الحاكمية لله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:38]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:58].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص5): «فإن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم. رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.

 

فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع».وقال في مجموع الفتاوى (ج28/ ص262): «فالنبوة أصل الدين، والسياسة فرع تابع لها، فما جاء به الرسول فهو الدين، وما كان من السياسة العادلة فهو من الدين، ومن خالف ذلك كان من الذين ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾»،

 

وقال في مجموع الفتاوى (ج28/ ص231): «فإن الدين إنما يتم بالكتاب الهادي، والحديد الناصر، كما ذكر الله ذلك، حيث قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:25]. فالكتاب به يقوم العلم والدين، والحديد به يقوم الملك والدنيا»

 

وهذا نص صريح يؤكد أن الإسلام دين بيان بالحجة والبرهان، ودين سنان وسيف بالجهاد وإقامة السلطان.

كما ان الإمام الشاطبي رحمه الله قرر في الموافقات (ج2/ ص302):ان «المصالح التي اعتبرتها الشريعة ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.

 

فالضرورية: هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين. وهي خمسة: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وقد اتفقت الأمة على أن الشريعة إنما وُضعت للمحافظة عليها.

 

فحفظ الدين يقع من جهة وجوده، ومن جهة عدمه. فحفظه من جهة الوجود يكون بما يُشرع من الإيمان، والعبادات، وما يتبعها، وعلى الجملة فهو راجع إلى إقامة أركان الدين، وحفظه من جهة العدم يكون بالثبات على ذلك إلى آخر العمر، واجتناب الكفر، والردة، وما يؤدي إليهما، وكذلك الجهاد في سبيل الله؛ فإنه موضوع لحفظ الدين من جانب العدم».

 

وهذا النص صريح أن الشاطبي يرى أن الجهاد وإقامة السلطان جزء من حفظ الدين، أي من المقاصد الضرورية الخمس، وليس أمراً تكميلياً أو فرعياً.

أما ما قيل من أن جمهور المسلمين ارتدوا، فغير صحيح، إذ إن المرتدين كانوا قبائل وأفرادًا محدودين منعوا الزكاة أو اتبعوا مسيلمة والأسود العنسي، أما جمهور الأمة فثبتوا على الإسلام. وقد واجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الفتنة بحزم، وقال كما في صحيح البخاري (ح1399): «والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه».

 

وأحداث اختيار الخلفاء الراشدين خير شاهد على أن الأمة لم تترك بلا منهج، بل سارت على الشورى كما دل الكتاب والسنة:

1. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه: اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتشاوروا، ثم أجمعوا على بيعته (الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص446).

2. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أوصى له أبو بكر بعد استشارة الصحابة، فقبلت الأمة وصيته وبايعوه (ابن كثير، البداية والنهاية، ج7، ص131)

3. واما عثمان بن عفان رضي الله عنه تم اختياره عبر الشورى بين ستة من كبار الصحابة حدّدهم عمر رضي الله عنه، ثم أُخذت له البيعة العامة (البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ح3700).

4. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: بويع بالخلافة بعد مقتل عثمان في بيعة عامة من المسلمين (الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج3، ص450).

وكان الخلفاء يدركون عظم الأمانة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة (ج7، ص108): «لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟». وقال علي رضي الله عنه كما في نهج البلاغة (خطبة 34): «إن من حق الوالي أن يحفظ نفسه، وأن يحرس دينه، وأن يدبر أمر رعيته».

أما في عصرنا الحالي، فقد رأينا بعض الحركات الإسلامية تتقلب في مفاهيم الحكم. ففي السودان – ابان حرب الجنوب – أقاموا ما سموه «عرس الشهيد» لمن مات في هذه الحرب وكانوا يحثون الشباب على الجهاد، ثم تراجع بعض رموزهم كالترابي بعد الخلافات السياسية وقال في حوار مع صحيفة الحياة (2006): «لم تكن حرب الجنوب جهادًا بالمعنى الشرعي الخالص، بل كانت في جوهرها نزاعًا سياسيًا على السلطة»، في العالم العربي، دعا الغنوشي إلى اعتماد النموذج التركي، وهو نموذج نشأ في بيئة علمانية صارمة لا يتناسب مع دول يغلب فيها الطابع الإسلامي، ولم تشهد شعوبها القمع العلماني الذي عاشته تركيا، حيث كان المسلم يُجبر على التخفي لأداء عباداته، وكان حتى التظاهر بالمظاهر الإسلامية في السلوك العام ممنوعًا.

وقد حذر العلماء منذ القديم من مثل هذا الانحراف في باب الحكم والسياسة الشرعية، فقال ابن القيم في إعلام الموقعين (ج4/ ص372): «إن السياسة العادلة جزء من الشريعة، ومن زعم أن السياسة تخالف ما جاء به الرسول فقد افترى على الشريعة، بل كل سياسة عادلة فهي من الدين، وكل ما خرج عن العدل إلى الجور فليس من الدين». وهذا تأصيل مهم يبين أن أي ممارسات أو تقلبات تخالف مقاصد الشريعة لا يمكن نسبتها إلى الإسلام، وإنما إلى أهلها وحدهم.

والحق أن الإسلام لم يترك الأمة بلا منهج، بل أعطاها القرآن والسنة دستورًا خالدًا، والخلفاء الراشدون جسّدوا هذا المنهج في واقعهم، فكانوا امتدادًا للنبوة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود (ح4607): «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ».

وفي الختام إن الأمة لم تُترك سدى، بل هُديت إلى أعظم دستور. والخلفاء لم يبتدعوا، بل اجتهدوا تحت نور الوحي. أما الأخطاء والانحرافات التي تصدر من بعض المنتسبين للإسلام، فلا تُنسب إلى الدين، بل تُنسب إلى أصحابها وحدهم، ويُطالبون بالتوبة، ويُحاسبون أمام المحاكم إن لم يرتدعوا، لكن لا يُخرجون من الإسلام. والإسلام بريء من أفعالهم.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36]. فمهما وقع من أخطاء في تطبيق الحكم، فهذا لا يعني ترك أحكام الله أو الدعوة لإلغائها كما تنادي الأحزاب العلمانية أو الطائفية اليمنية وغيرها. بل الواجب هو الدعوة إلى الإصلاح، والعودة إلى الكتاب والسنة، والعضّ على سنة الخلفاء الراشدين بالنواجذ.

فلنحذر من مشاريع التغريب التي تريد سلخنا عن شريعتنا، ولنرفض دعوات الأحزاب العلمانية والطائفية التي تسعى لإلغاء أحكام الله. ولنجعل القرآن دستورنا، والسنة منهجنا، وسنة الخلفاء الراشدين سبيلنا. فإن العز كل العز في التمسك بدين الله، والذل كل الذل في الركون إلى القوانين الوضعية والأنظمة المستوردة. ولنرفع شعارنا بوضوح: الحاكمية لله، والمرجعية كتاب الله وسنة رسوله، والقدوة خلفاؤه الراشدون. فمن ترك هذا المنهج ضل، ومن تمسك به نجا وفاز في الدنيا والآخرة.

‫شاهد أيضًا‬

بدعوة من مولانا السيد محمد عثمان الميرغني.. إفطار سنوي يجمع قيادات صوفية ووفد اتحاد شباب العرب بفندق البارون

بدعوة كريمة من مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، أُقيم الإفطار السنوي للميرغني بفندق البار…