‫الرئيسية‬ مقالات  حصار الفاشر وانتهاك حقوق الإنسان والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات
مقالات - أكتوبر 19, 2025

 حصار الفاشر وانتهاك حقوق الإنسان والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات

المستشار الاستراتيجي ومسؤول ملف السودان للتنمية المستدامة

السفير الفخري لمنظمة UNASDG

مقدمة

تعيش مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، واحدةً من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، نتيجة الحصار الكامل الذي تفرضه مليشيات ال دقلو الإرهابية على عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، الذين يعانون من نقصٍ حاد في الغذاء والدواء والمياه، وسط انقطاع طرق الإمداد وغياب أي ممرات آمنة.

إن هذا الحصار ليس مجرد جريمة حرب، بل جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، تُعدّ انتهاكاً صارخاً لكل المواثيق الدولية، وللقانون الدولي الإنساني، وللقرارات الملزمة الصادرة عن مجلس الأمن بشأن حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

أولاً: الطبيعة القانونية للحصار على الفاشر

بحسب اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، فإن تجويع المدنيين واستخدام الحصار كأداة حرب يُعتبر جريمة حرب.

🔹 المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول تنص صراحة على:

“يُحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، كما يُحظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة أو جعل الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة هدفاً للهجوم.”

🔹 المادة (14) من البروتوكول الإضافي الثاني تؤكد كذلك أن:

“يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، ويجب عدم مهاجمة أو تدمير أو إزالة أو جعل الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين هدفاً.”

وبذلك فإن الحصار المفروض على الفاشر، الذي أدى إلى انعدام الغذاء والدواء، يمثل انتهاكاً صريحاً لهذه المواد، ويقع تحت طائلة المادة (8/2/ب/25) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تُجرّم:

“تجويع المدنيين عمداً بوصفه أسلوباً من أساليب الحرب، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم.”

ثانياً: انتهاك قرارات مجلس الأمن الدولي

إن ما يجري في الفاشر يُعدّ خرقاً واضحاً لعدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي بشأن دارفور والسودان، من أبرزها:

1. القرار رقم 1556 (2004) – الذي فرض حظر الأسلحة على الميليشيات في دارفور وألزم جميع الأطراف باحترام القانون الإنساني الدولي.

2. القرار رقم 1591 (2005) – الذي أنشأ لجنة للعقوبات ورصد الانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك عرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

3. القرار رقم 1672 (2006) – الذي أقر عقوبات على القادة المسؤولين عن الجرائم في دارفور.

4. القرار رقم 2417 (2018) – وهو الأهم، إذ أدان استخدام التجويع كأداة حرب واعتبره تهديداً للسلم والأمن الدوليين، مؤكداً مسؤولية المجتمع الدولي في محاسبة مرتكبي تلك الجرائم.

بناءً على ذلك، فإن استمرار حصار الفاشر يشكّل انتهاكاً مباشراً لهذه القرارات، ويحمّل المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل من يدعم أو يمول أو يسهّل هذا الحصار، سواء أكان فاعلاً مباشراً أم شريكاً لوجستياً.

ثالثاً: المسؤولية الدولية والدعم الخارجي

وفقاً للمادة (16) من مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001)، فإن:

“كل دولة تقدم المساعدة أو الدعم أو التسهيلات لارتكاب فعل غير مشروع دولياً تتحمل المسؤولية الدولية ذاتها.”

وعليه، فإن أي دعم مالي أو تسليحي أو لوجستي تقدمه دولة أو جهة خارجية للمليشيا التي تفرض الحصار يُعد مشاركة مباشرة في جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ويُعرّضها للمساءلة الدولية أمام المحكمة الجنائية الدولية أو مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

رابعاً: الانتهاكات الإنسانية المرافقة للحصار

1. الحرمان المتعمّد من الغذاء والدواء والمياه.

2. استهداف المرافق الصحية ومخازن الإغاثة.

3. منع المنظمات الإنسانية من الوصول إلى المدنيين المحاصرين.

4. القتل العشوائي والاعتداءات على النازحين والنساء والأطفال.

5. استخدام الإعلام المضلل لتبرير الجرائم والتغطية على الفظائع الميدانية.

وتنطبق على هذه الانتهاكات نصوص المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف، والمادتين (6 و7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن الحق في الحياة والكرامة وعدم التعرض للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.

خامساً: النداء الإنساني والموقف القانوني الدولي

إن ما يحدث في الفاشر يمثل وصمة عار على جبين الإنسانية، وعلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الإفريقي والمنظمات الحقوقية أن:

• تتدخل فوراً لفرض ممرات إنسانية آمنة لإيصال الغذاء والدواء.

• تُفعّل آليات المساءلة الدولية ضد قادة المليشيا ومن يدعمهم.

• تُرسل بعثة تقصّي حقائق دولية إلى الفاشر لتوثيق الجرائم.

• تُدرج الجهات الداعمة للمليشيات الإرهابية ضمن قائمة العقوبات الدولية.

خاتمة

إن حصار الفاشر ليس معركة عسكرية، بل جريمة تجويع جماعي وانتهاك لحق الإنسان في الحياة.

وإن كل من يشارك في فرضه أو يسكت عنه شريك في الجريمة بموجب القانون الدولي.

✍️ العدالة ليست ردّ فعل، بل هي مسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون قانونية.

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…