حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام.. سياسات اقتصادية وتصحيح المسار (زراعة القمح)[2]

ومواصلة للحديث عن كثير من السياسات الإقتصادية الغير مجدية والتي تستوجب تصحيح المسار فيها لا إلغاءها، فمثلا في حديثنا عن زراعة القمح فنحن لسنا ضد الزراعة، ولكن ماذا يجب أن نزرع؟ وما هي جدوى زراعة القمح من كل النواحي الاقتصادية كما وكيفا ومضمونا؟
وبدون التفصيل لا يغيب عن ذوي الاختصاص ذلك، ولكن للأسف الشديد كما يقال طغت العادة على العبادة، فزراعة القمح بكل المقاييس في السودان ما هي إلا إهدار للطاقات والموارد، والمستفيد الوحيد من هذا المجال الذين يعملون في قطاع المطاحن والغلال والتي سميت جزافا بالشركات الوطنية، وما هي إلا مطاحن تتطحن الشعب قبل الدقيق.
فإذا نظرنا قياسا ما بين المنتج من القمح المزروع وحاجة الاستهلاك، نجد أن الفجوة كبيرة، وتكاليف الإنتاج لهذه السلعة الحيوية الاستراتيجية كبيرة، فنحن نستورد ما يربو عن 80% من ما هو مستهلك وبقيمة يتم معالجتها على حساب ما هو منتج، مما يرفع السعر ويقلل من الجودة.
ولا يفوتنا أن نذكر أن هنالك دقيق مخصوص بأسعار وعبوات اقتصادية وبأسعار تجارية عالية، وهي مستوردة لا يدخل في تكوينها القمح المنتج محليا.
وقد يرفع أحدنا عقيرته بنجاح مشاريع الراجحي، ونقول إن تلك المشاريع ما هي إلا تأكيد على إهدار الموارد، وقامت أساسا على حيثيات واهية يعود ريعها للمستثمر وليس لنا، وتباع لنا بأسعار تكاد تكون موازية للقمح المستورد الجاهز مع تدني الجودة لاختلاف نوع القمح المزروع والطقس.
فبكل المقاييس السودان بلد زراعي، ولكن ليس لزراعة القمح، وأكبر دليل على ذلك فقط لو قارنا بين القمح والذرة الصفراء واستخداماتها محليا وعالميا، وتكلفة الإنتاج وملاءمة الطقس والعائد المادي، لوجدنا أن الذرة الشامية أفضل، وعلى ذلك قس.
فالقمح ما هو بالمشروع القومي المثالي لتتم زراعته في السودان، فانظر عزيزي المتابع إلى التوسع الذي تم في زراعة القمح في السودان في جنوب الخرطوم تحديدا في مشروع الجزيرة، وفي مناطق أخرى هامشية، تجد أن تلك المناطق لم تكن مناسبة لزراعة القمح، وما هي إلا محاولات لا تمت للدراسات بصلة، وإهدار للطاقات والأرض والمياه والأموال، وليست إلا مجرد تعنت وكسب سياسي رخيص لادعاء الاكتفاء الذاتي.
فلا المناخ ولا درجة الحرارة مناسبة لزراعة القمح، فكان الأوْلى زراعة محاصيل أخرى صالحة للاكتفاء الذاتي والتصدير.
ورجوعا للحديث عن الذرة الشامية، نجد أنها مهشمة في السودان، برغم أنها من أهم المحاصيل حول العالم وتدخل في كثير من الصناعات.
وبحسب رؤية التلحيق، فإننا لا ندعو لترك زراعة القمح من باب التنويع الزراعي، ولكن حبذا لو حصرنا زراعته في المناطق الأكثر ملاءمة، وهي التي تنحصر في الولاية الشمالية بين خطي عرض 17 و22 شمالا، ولنستفيد من بقية المساحات لزراعة المحاصيل المضمونة النتائج ذات الإنتاجية العالية والتكلفة المناسبة مقارنة بالقمح الغير مجدي.
في التحليق القادم إن شاء الله سنتطرق لتصحيح مسار الصناعات.
سنكتب ونكتب ولن يجف المداد، وحفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الخميس 13/نوفمبر/2025
السودان الآن: قراءة تحليلية معمّقة في قلب الأزمة
ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو حرب تقليدية بين طرفين، بل هو انهيار مركّب لل…





