‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب: نزوح أهالي دارفور إلى الشمال بداية لشفاء الذاكرة الوطنية من رواسب الكراهية (١من ٢)
مقالات - نوفمبر 18, 2025

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب: نزوح أهالي دارفور إلى الشمال بداية لشفاء الذاكرة الوطنية من رواسب الكراهية (١من ٢)

في خضم الأزمة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب، برزت ظاهرة النزوح الداخلي كواحدة من أكثر التحولات الاجتماعية تأثيراً في بنية المجتمع السوداني، وعلى رأسها نزوح أعداد كبيرة من أهالي دارفور إلى ولايات الشمال. ورغم أن النزوح في جوهره مأساة إنسانية، إلا أن ما يحدث اليوم يحمل في طياته بذور خير عظيم وفرصة تاريخية لإعادة بناء جسور الثقة بين مكونات الشعب السوداني، وتفكيك منظومة الأفكار السالبة التي زرعتها النخب المأزومة في عقول البسطاء لعقود طويلة.

 

لقد ظل الخطاب المسموم الذي يروّج للكراهية والتمييز بين أبناء الوطن الواحد يتغذى على العزلة والانغلاق، حيث لم تتح لكثير من المواطنين فرصة اللقاء المباشر أو التفاعل الحقيقي مع من يختلفون عنهم في الجغرافيا أو الثقافة أو اللهجة. فكانت الأحكام تُبنى على السماع لا على التجربة، وعلى الشائعات لا على المعرفة، مما خلق فجوة نفسية واجتماعية بين أبناء السودان الواحد، خاصة بين دارفور والشمال.

 

لكن الحرب، رغم قسوتها، دفعت الناس إلى الخروج من مناطقهم واللجوء إلى أماكن أكثر أمناً، وهناك بدأت الحقيقة تتكشف. فحين اختلط أهالي دارفور بأهل الشمال، سقطت الأقنعة التي صنعتها النخب المأزومة، وتلاشت الصور النمطية التي عشعشت في الأذهان، وبدأ الناس يرون بعضهم البعض كما هم لا كما قيل عنهم. رأوا الكرم في استقبالهم، والاحترام في معاملتهم، والتضامن في محنتهم، فبدأت الضغائن تذوب، وبدأت الذاكرة الوطنية تُشفى من سموم الكراهية.

 

هذا التفاعل الإنساني المباشر كشف أن لا أحد يُقيّم الآخر من بعيد، وأن التجربة وحدها هي التي تصنع الفهم الحقيقي. فحين يعيش الإنسان مع الآخر، يأكل معه، يتحدث إليه، يشاركه الهموم والأفراح، يدرك أن ما فرّقهم لم يكن سوى وهم زرعه أصحاب الأجندات الضيقة الذين لا يعيشون إلا على صراع الهويات وتغذية الأحقاد.

 

إن نزوح أهالي دارفور إلى الشمال ليس مجرد حركة سكانية بل هو حدث اجتماعي عميق يعيد تشكيل الوعي الجمعي السوداني، ويمنح فرصة ذهبية لبناء وطن متصالح مع ذاته، متجاوز لمراحله المؤلمة، متطلع إلى مستقبل يقوم على الاحترام المتبادل والتعايش الحقيقي. وهو أيضاً دعوة لكل السودانيين بأن يفتحوا قلوبهم قبل بيوتهم، وأن يجعلوا من هذه المحنة بوابة للنهضة الأخلاقية والاجتماعية.

 

على الإعلام الوطني أن يلتقط هذه اللحظة ويحولها إلى سردية إيجابية تعزز قيم الوحدة والتسامح، وعلى المؤسسات التربوية أن تستثمر هذا التفاعل في بناء مناهج جديدة تُعلّم الأطفال أن السودان وطن واحد لا يُقسم، وأن الإنسان يُحترم لذاته لا لانتمائه، وعلى النخب أن تتوقف عن تصدير الكراهية وتبدأ في صناعة الأمل.

 

السودان اليوم أمام فرصة نادرة لتطهير الذاكرة من رواسب الماضي، ولإعادة تعريف العلاقة بين مكوناته على أساس التجربة لا الوهم، وعلى أساس الإنسانية لا الجغرافيا. فليكن هذا النزوح بداية لعودة الوعي، وبداية لوطن لا يُبنى بالحقد بل بالمحبة، لا يُنهض بالضغينة بل بالتسامح، ولا يُحمى بالعزلة بل بالوحدة.

 

إلى أهلنا وأبنائنا النازحين من دارفور أنتم لستم غرباء في وطنكم بل أنتم في دياركم وبين أهلكم وما أصابكم من ألم الحرب لا يُنكره أحد فالجراح عميقة والذكريات موجعة لكن رغم كل ذلك يبقى الأمل فيكم أن تكونوا جسراً للسلام لا وقوداً للكراهية أن تكونوا صوتاً للحكمة لا صدى للغضب.

 

اضبطوا النفس وامنحوا الكلمة الطيبة مكانها فالكلمة الطيبة صدقة وطولة البال شجاعة والعزم على رد الإحسان بالإحسان هو ما يعيد اللحمة الوطنية التي مزقتها الفتن والضغائن لا تسمحوا للحرب أن تسرق منكم إنسانيتكم ولا تسمحوا للغضب أن يطفئ نور قلوبكم.

 

السودان لا يُبنى إلا بكم ومعكم فكونوا كما عهدناكم أهل كرامة وصبر ووعي وكونوا طوق النجاة لهذا الوطن الذي ينتظر منكم أن تكونوا جزءاً من شفائه لا امتداداً لألمه.

 

عودوا إلى الحياة بقلب مفتوح ويد ممدودة وابتسامة صادقة فالوطن لا ينهض إلا حين يتصافح أبناؤه ويعانق بعضهم بعضاً في لحظة صدق لا تعرف إلا الحب والتسامح.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

تماسك الجبهة الداخلية: خط الدفاع الحاسم في مواجهة حرب متعددة الجبهات

في لحظات الاختبار الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها فقط، بل بمدى صلابة جبهتها الداخلي…