‫الرئيسية‬ مقالات علاقة الدولة بالرعية أم علاقة الشريك بالمصير؟
مقالات - ‫‫‫‏‫12 دقيقة مضت‬

علاقة الدولة بالرعية أم علاقة الشريك بالمصير؟

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

> ليست أزمة السودان في ضعف الموارد، ولا في غياب القوانين، ولا حتى في تبدّل الحكومات وحده ، بل في طبيعة العلاقة نفسها بين المواطن والدولة…

 

علاقة تشكّلت عبر عقود طويلة على أساس الخوف أكثر من الثقة، وعلى الطاعة أكثر من المشاركة، وعلى الجباية أكثر من الخدمة، حتى أصبح السوداني يشعر أحيانًا أن الحكومة كيان منفصل عنه، لا مرآة تعكس إرادته ولا مؤسسة تحرس مصالحه.

منذ تشكّل الدولة السودانية الحديثة، ظل السؤال المؤجل حاضرًا في وجدان الناس:

● ما هي الحكومة بالنسبة للمواطن السوداني؟

● هل هي سلطة فوق المجتمع؟ أم جهاز إداري خُلِق لخدمة المجتمع؟

● وهل المواطن في السودان “مالك للدولة” كما تقول النظريات الدستورية الحديثة، أم مجرد متلقٍ للقرارات والتعليمات والرسوم والالتزامات؟

 

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي أصل الأزمة السودانية كلها، لأن شكل العلاقة بين المواطن والدولة هو الذي يحدد شكل الاقتصاد، وطبيعة العدالة، ومستوى الاستقرار، وحدود الانتماء الوطني، وحتى قابلية المجتمع للحرب أو السلام.

في التجارب الحديثة، تُبنى الدولة على عقد غير مكتوب بين الحاكم والمحكوم يدفع المواطن الضرائب ويلتزم بالقانون، مقابل أن تضمن له الدولة الأمن والعدالة والخدمات والكرامة.

لكن في السودان، اختلّ هذا التوازن تدريجيًا حتى تحوّلت العلاقة في كثير من الأحيان إلى علاقة أحادية الاتجاه الدولة تطلب، والمواطن يدفع.

○ الدولة تُقرّر، والمواطن يتكيّف.

○ الدولة تُخطئ، والمواطن يتحمّل النتائج.

ولهذا نشأ جيل كامل يرى الحكومة بوصفها عبئًا إداريًا أكثر من كونها مظلة وطنية.

المفارقة أن المواطن السوداني ظل عبر تاريخه أكثر صبرًا من مؤسسات الدولة نفسها.

● فهو المواطن الذي شيّد حياته بالجهد الذاتي حين غابت الخدمات.

● وعالج أبناءه بالتكافل حين انهارت المنظومات الصحية.

● وعلّم أبناءه بالدروس الخاصة حين تراجعت المدارس.

● وحفر الآبار، ورصف الطرق الشعبية، وأعاد بناء ما دمّرته الحروب والسيول بموارده المحدودة.

كأن المجتمع السوداني ظل يقوم بدور الدولة، بينما انشغلت الدولة أحيانًا بإدارة السلطة أكثر من إدارة المجتمع.

ومن هنا يمكن فهم إحدى أخطر الظواهر في السودان:

> تآكل الثقة العامة.

فعندما يقف المواطن في صف طويل لاستخراج مستند بسيط، أو ينتظر شهورًا لإجراء إداري، أو يدفع رسوماً متعددة دون أن يرى أثرًا حقيقيًا للخدمة، فإنه لا يغضب من الموظف وحده، بل تتشكل داخله قناعة عميقة بأن الدولة بعيدة عنه، وأن المؤسسات لا تتحرك بمنطق الخدمة العامة بل بمنطق التعقيد والبقاء.

وهنا تظهر الفجوة بين “الواقع” و”المأمول”.

فالواقع يقول إن المواطن هو أساس الشرعية ومصدر السلطة.

لكن المعمول به أحيانًا يجعل المواطن آخر من يُستشار وأول من يتحمّل الأعباء.

فالخطاب الرسمي كثيرًا ما يتحدث عن “خدمة المواطن”، بينما التجربة اليومية للمواطن تتحدث عن معاناة مع الإجراءات، وضعف المحاسبة، وتداخل السلطات، وبطء العدالة، وغياب الوضوح المؤسسي.

> ولعل أخطر ما في هذه العلاقة المختلّة أنها أنتجت نوعًا من الانفصال النفسي بين الناس والدولة.

فكثير من السودانيين لم يعودوا يسألون: “كيف نطوّر الدولة؟”

بل صار السؤال: “كيف ننجو منها أو نتجاوز تعقيداتها؟”

> وهنا تتحول البيروقراطية من أداة تنظيم إلى جدار نفسي واجتماعي يفصل المواطن عن الإحساس بالانتماء المؤسسي.

 

لكن الإنصاف يقتضي أيضًا الاعتراف بأن الدولة السودانية ليست كتلة شر مطلق، كما أن المواطن ليس دائمًا ضحية مثالية.

فداخل مؤسسات الدولة آلاف الموظفين الشرفاء الذين يعملون في ظروف قاسية، برواتب محدودة، وإمكانات ضعيفة، وسط انهيارات اقتصادية وضغوط سياسية وأمنية متراكمة.

كما أن بعض مظاهر الأزمة ناتجة عن تراكمات تاريخية وثقافة إدارية قديمة، لا عن أفراد بعينهم فقط.

إذ لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية إدارية ترى المواطن “طالب خدمة” لا “صاحب حق”.

إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود الحكومة، بل في فلسفة الحكم نفسها.

● هل الدولة في السودان وُجدت لتحكم المجتمع؟

● أم لتنظّم طاقاته وتحرس مصالحه؟

فالفرق بين الدول الناجحة والدول المتعثرة لا يكمن فقط في الموارد أو القوة العسكرية، بل في الطريقة التي تنظر بها السلطة إلى الإنسان.

> الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على تسهيل حياة الناس.

 

> ولا تُقاس بكثرة الشعارات، بل بمستوى الثقة بينها وبين المواطن.

> ولا تُقاس بحجم المباني الحكومية، بل بسرعة العدالة، ووضوح الإجراءات، واحترام الزمن الإنساني.

وفي السودان تحديدًا، أصبح “الزمن” أحد أكثر الأشياء التي يفقدها المواطن داخل دهاليز المؤسسات.

فالإنسان قد يقضي أيامًا أو أسابيع من أجل توقيع أو ختم أو موافقة، بينما العالم يتحرك اليوم بمنطق الحكومة الرقمية والخدمة الذكية والنافذة الواحدة.

ولهذا فإن إصلاح العلاقة بين المواطن والحكومة لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، بل بتغيير الفكرة التي تُدار بها الدولة.

> أي الانتقال من مفهوم “الحكومة المتسلطة” إلى “الدولة الخادمة”، ومن عقلية السيطرة إلى عقلية الشراكة الوطنية.

إن المواطن السوداني لا يريد معجزات.

هو يريد فقط دولة تحترم إنسانيته، وتحفظ وقته، وتطبّق القانون بعدالة، وتعامله بوصفه شريكًا لا عبئًا.

فحين يشعر المواطن أن الدولة تحترمه، سيدافع عنها بإخلاص.

وحين يشعر أن المؤسسات تمثله، سيحمي القانون طوعًا لا خوفًا.

وحين تصبح الخدمة العامة حقًا لا منّة، ستبدأ فكرة الوطن في التماسك من جديد.

لأن الأوطان لا تبنى فقط بالجيوش والموارد،

بل تُبنى أولًا بعلاقة صحية بين الإنسان والدولة.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

ماذا يدور بين السودان والبحرين 

القمة التي عقدت بين السودان والبحرين علي اعلي مستوي بحضور رئيس المجلس السيادي السوداني عبد…