‫الرئيسية‬ مقالات حديث الساعة الهام سالم منصور سفارة السودان بالقاهرة… بين الساعي والراعي وانتشار الفساد
مقالات - نوفمبر 26, 2025

حديث الساعة الهام سالم منصور سفارة السودان بالقاهرة… بين الساعي والراعي وانتشار الفساد

سفارة السودان بالقاهرة من أقرب السفارات وجداناً للمواطن السوداني دون غيرها من سفارات السودان في العالم، ولكنها—للأسف الشديد—تحولت إلى واحدة من أكثر السفارات التي يظهر فيها الفساد بوضوح للعيان دون أدنى مراعاة لظروف المواطن المسكين المغلوب على أمره. وفي الآونة الأخيرة انتشر الفساد فيها انتشار النار في الهشيم، وتعطلت مصالح الناس، وأُهين المواطن في كرامته وحقوقه.

 

تعرقلت الإجراءات، وارتفعت الرسوم بلا مبرر، والأدهى والأخطر هو السمسرة والشلليات التي أصبحت تُحاصر الموظفين وتتحكم في معاملاتهم. فقد ظهرت مكاتب “استخدام” ليست إلا مكاتب شنطة، حيث أصبح لبعض الموظفين وأقربائهم نفوذ مباشر في إنجاز معاملات المواطنين. معاملات تُقضى عبر الأصحاب والمعارف، بينما المواطن البسيط يطول وقوفه في الصفوف دون جدوى.

هذه الممارسات شوّهت الدور الحقيقي لمعنى السفارة، وجعلت المواطن يشعر بأنه أمام سوق لا مؤسسة دولة.

 

ولو زار أحد مبنى السفارة، فلن يحتاج إلى دليل أو برهان؛ فالمشهد وحده يتحدث عن نفسه: فوضى، غياب للنظام، وموظفون بعيدون عن واجبهم. أما الدور الدبلوماسي الحقيقي المفترض أن يقوم به طاقم السفارة في تنظيم خدمات العودة الطوعية للمواطنين، فيقوم به شباب متطوعون بلا مرتب ولا تقدير، بينما الموظف الرسمي غائب أو منشغل بما لا يخدم المواطن.

 

لقد أصبح المواطن السوداني مظلوماً من السودانيين في سفارتهم أكثر من ظلمه من أي جهة أخرى. وفي الوقت ذاته، نرى أن طاقم السفارة المصرية في السودان يعامل مواطنيه باحترام وتعاون، بينما يعاني السوداني في القاهرة من العرقلة والإهمال داخل سفارته نفسها.

 

تأشيرات المرضى… صراع بين الحياة والموت

 

من أكبر الكوارث التي تضرب حياة المواطنين اليوم هي تأخير تأشيرات المرضى. فالتأخير لا يحدث في القاهرة فقط، بل يبدأ من الطبيب السوداني المسؤول عن اعتماد التأشيرة داخل السودان، حيث تتأخر الإجراءات بلا سبب مقنع، فيتدهور حال المريض بين ألم المرض وألم الانتظار.

 

والأسوأ والأفدح هو ما ظهر في الفترة الأخيرة من بيع التأشيرات تجارياً وبشكل سريع، وبمبالغ فلكية تصل إلى أكثر من 3000 دولار، في تجارة لا تعرف الرحمة، تستغل حاجة المريض وضعفه، وتستنزف أسرته التي لا حول لها ولا قوة.

 

أما تأشيرات الطلاب فهي قصة أخرى من المعاناة، تسببت في تأخير دراستهم وإضافة أعباء جديدة على أسر مسحوقة أصلاً. الوضع ازداد سوءاً حتى لجأ بعض المرضى للسفر إلى مصر عبر التهريب، فيما يسميه السودانيون “فلاي بوكس رشيدي”.

 

أين الساعي من الراعي؟

 

لا نقول للسفارات “راعوا الله في المواطن السوداني”، بل نقول لهم بوضوح:

أوقفوا الفساد الذي عمّ البلاد قبل أن يبتلع ما تبقى من كرامة المواطن وهيبة الدولة.

 

قبل كتابة هذا المقال، تم الاتصال بالسيد السفير عماد عدوي لطرح قضايا المواطنين والفساد الذي يُنسب لسفارته، لكنه اعتذر بأنه مشغول، ورفض حتى النقاش عبر الهاتف، تاركاً الإجابات “حينما تسمح راحته ووقته”.

 

في الماضي، كان المواطن السوداني عزيزاً مكرماً في أي بلد، ولا يُقبض عليه إلا بعد الرجوع لسفارته، لما كانت تتمتع به من قوة وحضور. أما اليوم، فقد ضاعت تلك الهيبة، وتراجع ذلك الدور، وبات المواطن بلا سند حقيقي.

 

أما بطاقة “عافية” التي زُعِم أنها ستساعد المرضى، فقد أصبحت—للأسف—مزع العافية: لا تُقدَّم إلكترونياً، ولا تغطي المستشفيات المعروفة، ولا المعامل، ولا توفر الحد الأدنى من الرعاية. والمواطن المريض تائه لا يجد علاجاً يليق بإنسانيته.

 

في العرف الدبلوماسي، السفارة هي واجهة البلد، وصوته، وقوته التي تمثل المواطن. لكنها اليوم تحولت إلى “برستيج” يخدم المصالح الشخصية، وأثاث فاخر، ومكاتب فخمة، ورغد عيش، بينما المواطن يقف مهاناً على البوابة.

 

ولعل المشهد يذكرنا بقصة زعيمة إحدى القبائل السودانية قديماً، عندما طُلب منها المشاركة في صد المستعمر فقالت: “عندي سباق حمير”!

وهكذا يبدو حال بعض المسؤولين اليوم… يتقدم عندهم الهامشي على الوطني، والخاص على العام، والمصلحة الشخصية قبل مصلحة المواطن.

 

ضربة البداية في سلسلة كشف فساد سفارات السودان بالخارج

 

وهذا المقال لا يُعد سوى ضربة البداية الأولى في سلسلة مقالات سنكشف فيها—بالحقائق والأدلة والصوت العالي—فساد سفارات السودان بالخارج، حتى يعرف المواطن أين تُهدر كرامته، وكيف تُعطَّل مصالحه، ولماذا يُحمَّل أوزار حربٍ لم يخضها، وفسادٍ لم يصنعه.

 

سنفتح الملفات واحدة تلو الأخرى، لأن المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب لا يستحق أن تتحول سفارات بلده إلى عبء جديد فوق معاناته. السفارات خلقت لحماية الناس لا لتعذيبهم، ولخدمة الوطن لا لخدمة الأشخاص.

ولهذا… فإن ما نكتبه اليوم هو مجرد البداية، ولن تتوقف سلسلة المقالات حتى يعود للسوداني حقه، وتعود للبعثات الدبلوماسية هيبتها، ويُرفع الظلم عن كل من وقف أمام أبواب سفارته يطلب حقه فوجد الإهانة بدلاً عنه.

 

الاربعاء ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٥

‫شاهد أيضًا‬

سلاح الإضرابات اخطر من المسيرات 

لا أحد ينكر الدور الكبير الذي يقوم به أساتذة الجامعات قبل وبعد الحرب وفي نفس السياق معلمي …