خواطر ابن الفضل عندما يتحوّل التحليل السياسي إلى صناعة أوهام… ردّ على مقال “أكذوبة الجيش” د. محمد فضل محمد

قرأتُ مقالًا على فيسبوك لاحدهم يسيء فيه للجيش السوداني، فوجدته — بصدق — بعيدًا عن التحليل السياسي الرصين، وقريبًا من صناعة خصومة لا سند لها ولا جذور فالكاتب لا يناقش مؤسسات الدولة بعين الباحث أو المراقب، بل يصوغ خطابًا مصنوعًا مسبقًا، يُلبِس الجيش ما ليس فيه، ويرسم صورة لا علاقة لها بالوقائع إلا في خيال من يريدون شيطنة القوات المسلحة تمهيدًا لإزاحتها واستبدالها بمليشيا خارجة على الدولة فهي اتهامات متخيّلة تُلصق بالجيش ما ليس فيه، اعتمادًا على رواية باتت محفوظة في أذهان القحاطة ومن دار في فلكهم: رواية أن الجيش “تابع”، “مؤدلج”، “يحكمه تنظيم”، وأنه “تنازل عن صفته القومية”.
هذه اتهامات سهلة، لكن عند الفحص تتهاوى واحدةً تلو الأخرى.
*أولًا: الجيش السوداني مؤسسة دولة وليس رداءً حزبيًا*
يُعيد الكاتب اجترار شبهة أن الجيش “ارتدى رداء جماعة أو حزب”.
وهذه الشبهة تَكرّر طرحُها آلاف المرات، ولم يستطع أحد — حتى القحاطة حين كانوا في الحكم — أن يثبتها ولو بدليل واحد بل على العكس عندما حكموا، تحالفوا مع الجيش، ولم يقولوا إنه مؤدلج.
ولم نسمع منهم كلمة “جيش حزبي” إلا حين فشل مشروعهم السياسي، ثم أرادوا إسقاط الجيش ليملأ الفراغ مليشيا الجنجويد.
إن التناقض الأكبر أنهم قبلوا الجيش حليفًا عندما كان “بريق السلطة” يلمع في أعينهم، ثم عادوا اليوم يصفونه بأنه “جيش جماعة” بعد أن فقدوا السيطرة.
فهل تغيّر الجيش أم تغيّر مزاج السياسيين؟
*ثانيًا:شبهة صناعة المليشيات… قلبٌ للحقائق*
يقول الكاتب إن الجيش “أسس مليشيات وتنازل عن السلاح”.
والحقيقة المعروفة لكل من يفهم تاريخ الدولة السودانية أن المشكلة لم تبدأ من الجيش، بل من الحكومات المدنية التي فتّتت مؤسسات الدولة، وتركت فراغًا ملأته الحركات المسلحة بلا حصر.
وإذا كان الجيش يصنع مليشيات — كما يزعم — فلماذا:
١. حارب الجيش عشرات المليشيات منذ 1956؟
٢. ولماذا لم تُحل هذه المليشيات في عهد “قحت” رغم وعود الثورة؟
٣. ولماذا تحوّل الدعم السريع نفسه — الذي أنشأته الدولة بكل مؤسساتها — إلى كيان موازٍ يطعن الجيش من الخلف؟
ان الزيف الحقيقي هو محاولة تصوير الجيش بأنه أصل الفوضى، بينما تاريخ السودان نفسه يشهد بأن كل الحكومات التي ضعفت… جاء بعدها السلاح خارج الدولة.
*ثالثًا: مفارقة القحاطة الكبرى الجيش “جماعة” إلا حين زاروه وانبهروا به!*
ان من أبرز الأدلة على تهافت هذا الخطاب هو ما قاله رئيس الوزراء عبد الله حمدوك نفسه عند زيارته للتصنيع الحربي حيث عبّر وقتها بوضوح عن دهشته وإعجابه بالتطور التقني والإنتاجي للجيش السوداني، وقال: “شاهدتُ اليوم ما لم أكن أتوقعه… قدراتٌ صناعية وتقنية متقدمة تضع السودان في موقع مختلف، وأنا فخور بما رأيت.”
فهل كان الجيش يومها “مليشيا إرهابية”؟أم يصبح “جيش دولة” حين يعجبهم… و”مليشيا” حين يختلفون معه؟
ان هذا التناقض وحده يكفي لإسقاط المقال من أساسه.
*رابعًا: اتهامات بلا بينة من قتل؟ من أشعل؟ من سرق؟*
يحمّل الكاتب الجيش مسؤولية:
١. قتل الملايين
٢. تشريد نصف الشعب
٣. إشعال الحروب
٤. حماية الفاسدين
٥. هدم الدولة
*لكن أين الأدلة؟ ومن هي الجهة التي ترتكب المجازر اليوم في الخرطوم والفاشر وود مدني؟*
*من الذي ينتهك أعراض الأسر في وضح النهار؟* *و من الذي نهب البنك المركزي واحتل المستشفيات؟* إنها مليشيا الجنجويد التي يُحاول الكاتب — ومن خلفه — تبييض صفحتها على حساب الجيش.
ان الجيش ليس معصومًا، لكنه لم يفعل واحدًا من هذه الجرائم.
والجرائم موثّقة بالصوت والصورة في سجل المليشيا وليس في تاريخ الجيش.
*خامسًا: الجيش هو آخر ما تبقّى من الدولة*
ان من السهل مهاجمة الجيش وهو يحارب حربًا وجودية ضد مليشيا مدعومة خارجيًا، لكن من الصعب الاعتراف بالحقيقة:
١. لو سقط الجيش سقطت الدولة.
٢. ولو انتصرت المليشيا لاختفت الخرطوم من الخريطة.
٣. ولو غاب الجيش لما بقي سوداني واحد آمنًا في وطنه.
٤. ولو سقط الجيش، فمن الذي سيحكم حينها؟ هل يتوهم القحاطة أنهم سيقودون دولةً بعد أن تكون الميليشيا قد قضت على الأخضر واليابس؟
ان الجيش ليس “أكذوبة انتهى عصرها” كما قال الكاتب، بل هو آخر ما تبقى من السودان في هذه المحنة.
وفي الختام إن مشروع القحاطة ومن دار في فلكهم اليوم ليس إسقاط الجيش لأنه “مؤدلج”، بل لأنه العقبة الأخيرة أمام تنصيب المليشيا كبديل للدولة.
ولأن الجيش — رغم ما يواجه — ظلّ وطنيًا، لم يخضع، ولم يساوم.
إن نقد الجيش حق مشروع ولكن شتمه وتسويقه كعدو هو جريمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
عرس المهن الصحية… الإنتصار على الحرب
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتثقل كاهل الدولة السودانية أعباء الحرب وإعادة البناء، تبرز بع…





