‫الرئيسية‬ مقالات مضمار_الحقائق مفهوم مجانية التعليم وحصاد تطبيقه على أرض الواقع بقلم: د. موسى آدم عثمان الفولاني
مقالات - ديسمبر 2, 2025

مضمار_الحقائق مفهوم مجانية التعليم وحصاد تطبيقه على أرض الواقع بقلم: د. موسى آدم عثمان الفولاني

تمثل مجانية التعليم أحد الركائز الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، إذ تؤدي دوراً محورياً في ضمان تكافؤ الفرص بين جميع أفراد المجتمع. وقد تبنت العديد من الدول العربية والإفريقية سياسات فعالة لدعم مجانية التعليم، مما أسهم في الحد من التسرب المدرسي ورفع نسب الالتحاق بالتعليم الأساسي والثانوي. يهدف هذه المضمار إلى تحليل مفهوم مجانية التعليم تحليلاً استقرائياً واستنتاجياً، وتقييم مدى تطبيقه في السودان، مع تقديم حلول عملية لتعزيز هذا المبدأ في الواقع.

 

تشير مجانية التعليم إلى إتاحة فرص التعلّم للجميع دون أعباء مالية مباشرة تعيق الالتحاق بالمدرسة. ويشمل هذا المفهوم: إعفاء الطلاب من جميع الرسوم الدراسية، توفير الكتب المدرسية والمعينات التربوية، دعم الوجبة المدرسية، توفير بيئة مدرسية آمنة وصحية، توفير تدريب مستمر للمعلمين وتحسين أجورهم وتوفير وسائل النقل المدرسي في المناطق الطرفية.

 

إن مجانية التعليم ليست مجرد إلغاء للرسوم، بل تتضمن تكاليف غير مباشرة تتحملها الدولة لضمان جودة العملية التعليمية.

 

هل يتم تطبيق مبدأ مجانية التعليم في السودان؟

على الرغم من التصريحات والقرارات الحكومية المتكررة بشأن مجانية التعليم، فإن التطبيق في الواقع لا يزال يواجه تحديات كبيرة تحتاج إلى إعادة النظر، وتشمل:

*أولاً:* فرض رسوم غير رسمية عبر المجالس التربوية والمدرسية. *ثانياً:* نقص الكتب والمعينات التعليمية. *ثالثاً:* ضعف الميزانية المالية المخصصة للتعليم (أقل من النسبة الموصى بها عالمياً). *رابعاً:* البنية التحتية المتهالكة للمدارس، وخاصة في المناطق الريفية. *خامساً:* نقص المعلمين وتدني رواتبهم. *سادساً:* عدم توفر وجبة مدرسية منتظمة للطلاب.

 

هذه سلسلة من التحديات التي تواجه العملية التعليمية في البلاد وتعتبر كبيرة عند تجاهلها وصغيرة إذا وضعت في الاعتبار وبحثنا عن الحلول المناسبة لاستقرار العملية التعليمية. لقد خاضت الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل تجارب في دعم التعليم عبر الشراكات والتفاهمات مع المنظمات والهيئات الإقليمية والعالمية وكذلك الداعمين المحليين. وينبغى علينا أن نهتم ونسعى لإيجاد الحلول. وقد افرزت هذه التحديات واقعاً مزرياً يهدد التعليم في البلاد، ومن هذه الإفرازات:

– ارتفاع معدلات التسرب المدرسي خصوصاً وسط الفئات الفقيرة.

– انخفاض نسب الالتحاق بالمدارس في المناطق الطرفية.

– ضعف التحصيل الأكاديمي للطلاب.

 

*ما هو مردود تطبيق مجانية التعليم على الحد من التسرب المدرسي؟*

تشير الدراسات إلى أن التكلفة المالية للتعليم—حتى وإن كانت رمزية—تشكل عائقاً كبيراً أمام الأسر محدودة الدخل. وفي السودان، يعد فرض الرسوم المدرسية ومصاريف الكراسات والزي المدرسي وغياب الدعم الغذائي من أبرز أسباب التسرب المدرسي. وقد ثبت أن مجانية التعليم تزيد نسب الالتحاق بالمدرسة. وتوفير الوجبة المدرسية يخفض التسرب بنسبة قد تصل إلى 40%. بالإضافة إلى تخفيف العبء المالي على الأسرة يسهم في بقاء التلاميذ في المدرسة، خاصة في المناطق الريفية.

 

هنالك تجارب عربية وإفريقية ناجحة في تطبيق مجانية التعليم، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: تونس، المغرب، رواندا، واثوبيا. أما عن *تونس* فتُعد من أبرز الدول العربية التي نجحت في تبني مجانية التعليم منذ الاستقلال. إذ وفرت الدولة التعليم الأساسي المجاني بالكامل، دعم الكتب المدرسية لأبناء الفئات الفقيرة واستثماراً مستمراً في تدريب المعلمين وتحسين البنية التحتية. وقد ساهم ذلك في تحقيق نسب عالية للالتحاق بالتعليم الأساسي تتجاوز 95%.

بينما أطلقت *المغرب* برامج مثل “مليون محفظة” لدعم التلاميذ بالحقائب والكتب المدرسية، و”تيسير” لتقديم دعم مالي مباشر للأسر الفقيرة، مما خفّض معدلات التسرب بشكل ملحوظ.

تُعد *رواندا* إحدى التجارب الإفريقية الرائدة، إذ طبقت مجانية التعليم الأساسي والتسع سنوات الإلزامية. ووفرت الحكومة دعماً كبيراً للبنية التحتية والتعليم الرقمي، مما رفع نسب الالتحاق إلى مستويات قياسية.

فيما اعتمدت إثيوبيا برنامجاً وطنياً للتعليم المجاني مدعوماً بالمنظمات الدولية، مما أدى إلى تضاعف نسب الالتحاق ثلاث مرات خلال عقد واحد.

 

إذاً ما هي الحلول العملية لتعزيز مجانية التعليم في السودان:

*أولاً*: *زيادة ميزانية التعليم* لتصل إلى 15–20% من الموازنة العامة كما توصي المنظمات الدولية.

ثانياً: *إلغاء الرسوم المدرسية بالكامل* ووضع آليات رقابية تمنع المدارس من فرض رسوم غير رسمية على التلاميذ مثل الرسوم الشهرية، رسوم الاختبارات ورسوم الحصص الصباحية والمسائية.

*ثالثاً:* *توفير الكتب والمعينات مجاناً** عبر شراكات مع منظمات الأمم المتحدة.

*رابعاً:* *تفعيل برنامج الوجبة المدرسية* في المدارس الحكومية، على الأقل في المناطق الهشة.

*خامسا:* *تحسين رواتب المعلمين* باعتبارهم أساس جودة العملية التعليمية.

*سادساً:* *دعم النقل المدرسي* في المناطق الريفية والطرفية.

*سابعاً:* *إطلاق برنامج وطني للمنح المدرسية* يستهدف الأطفال الفقراء والنازحين.

*ثامناً:* *إعادة تأهيل المدارس* المتضررة بسبب النزاعات والكوارث.

*تاسعاً:* *تعزيز التعليم الرقمي* وتوفير بدائل للتعليم في حالات الأزمات.

*عاشراً:* *تحسين نظم الحوكمة* وزيادة الشفافية في إدارة المدارس الحكومية.

 

ختاماً، إن مجانية التعليم ليست رفاهية، بل حق وضرورة لبناء مجتمع عادل قادر على إنتاج المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه السودان، فإن تبني سياسات واضحة، مدعومة بالأمثلة الإقليمية الناجحة، يمكن أن يحدث تحولاً جذرياً في مستقبل التعليم بالبلاد.

 

تحياتي وتقديري

 

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…