خواطر ابن الفضل حين تُنكر القُحاطة ما خطّته أيديهم مسؤولية تضخم الدعم السريع بين الحقيقة والهروب للأمام د. محمد فضل محمد

من أغرب ما في المشهد السوداني اليوم ليس فقط تمدد الدعم السريع من قوة هامشية لا تتجاوز عشرين ألفًا إلى قوة موازية للدولة تقارب مئة ألف، بل محاولة بعض منسوبِي قحت — إعلاميًا وسياسيًا — التنصل من مسؤولية هذا التضخم، وكأن الذاكرة الوطنية صفحة بيضاء يمكن إعادة كتابتها حسب هوى اللحظة.
*الحقيقة أبسط من محاولات التهرب:*
ان القُحاطة شاركوا سياسيًا فيما سمحت به الدولة عمليًا، وصمتهم يوم كان الكلام واجبًا صنع كارثة نعيش تبعاتها اليوم.
*أولًا: سردية “البراءة” القحتية كيف تَسقط الرواية أمام الوثائق؟*
منذ اندلاع الحرب، تبنّى خطاب قحت رواية مفادها أن “العسكريين وحدهم هم من صنعوا تضخم الدعم السريع”.
ولكن الوثائق والشواهد تكشف غير ذلك، وتنسف هذا الموقف الذي يحاول غسل اليد من الماضي:
1. برنامج الحكومة الانتقالية (أول 200 يوم)
نصّ على “إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية ودمج القوات غير النظامية” ولم تُنفّذ منه خطوة واحدة
(وثيقة مجلس الوزراء، 2019).
2. حضور حمدوك لتخريج دفعتين من قوات الدعم السريع موثّق في وكالة “سونا” (30 يناير 2020). وهو حدث سياسي منح المليشيا شرعية مدنية رمزية، تناقض تمامًا شعار قحت الشهير: “الجنجويد يتحل”.
3. خطاب قادة قحت في مجلسي السيادة والوزراء
امتلأ بالثناء على “التنسيق الأمني” و”أدوار الدعم السريع”، وتم تقديم حميدتي في عدة لقاءات بصفته “شريكًا في التحول المدني”، لا قوة يجب تفكيكها.
4. تقارير الأمم المتحدة (2019–2020) تؤكد أن التمدد الذي حدث لم يكن عسكريًا فحسب، بل سياسيًا كذلك، بسبب “قبول رسمي بوجود قوة غير نظامية تُعامل كشريك في إدارة المرحلة الانتقالية”(UN Panel of Experts, 2020).
وهذه الشواهد تجعل محاولات قحت اليوم للتنصل من المسؤولية خطابًا مرتجلًا لا يصمد أمام الوقائع.
*ثانيًا: القُحاطة حين يتحول المبدأ إلى شعار انتقائي*
رفعت قحت شعار “مدنية كاملة” و”إصلاح القطاع الأمني”، لكنها حين أمسكت مفاصل السلطة، فضّلت التعايش مع الخلل بدل مقاومته، فصار المبدأ مجرد شعار سياسي للاستهلاك الإعلامي.
وتؤكد دراسة كارنيغي (2021) أن القوى المدنية في السودان: “اختارت المواءمة السياسية على حساب أولويات الإصلاح الأمني، مما منح الدعم السريع موقعًا لم يكن ليحصل عليه لولا هذا التواطؤ الصامت.”
هذا يعني أن صمت القحاتة لم يكن عجزًا، بل حسابات سلطة الحفاظ على الشراكة، والحفاظ على المقاعد،و الحفاظ على الدعم الدولي.وكلها حسابات قصيرة النظر.
*ثالثًا: هل كان يمكن لقحت أن توقف التمدد؟*
نعم وبوضوح. حيث إن الوثيقة الدستورية (2019) منحت مجلس الوزراء وسلطته المدنية صلاحية:
١. مراجعة هيكلة القوات النظامية
٢. وضع سياسات الأمن القومي
٣. مخاطبة الرأي العام حول الخلل المؤسسي
٤. الاعتراض على أي ترتيبات تهدد الدولة
لكن أيًا من ذلك لم يحدث حتى مجرد صياغة خطة علنية للدمج لم تُطرح والدليل في كل مؤتمرات قحت وبياناتها — من 2019 إلى 2021 — لم يُعلن جدول زمني واحد لإصلاح القطاع الأمني.
فكيف يأتي البعض اليوم ليدّعي البراءة؟
ومن كان في موقع المسؤولية وقت الخلل لا يحق له التحدث بمنطق المتفرج.
*رابعًا: الدولة العمياء حين يتنازل السياسي عن أدواته طمعًا في السلطة*
ان القحاتة لم يصنعوا الدعم السريع، لكنهم منحوه ما لم يمنحه العسكر الغطاء السياسي، والشرعية المدنية، والصمت الإعلامي.
فالبرهان يتحمل مسؤوليته العسكرية — هذا بديهي —
لكن المسؤولية السياسية للقحتة لا تقل وزنًا، لأن الدولة الحديثة تُدار بقرار سياسي، لا بخريطة الرتب.
وقد لخّص تقرير الاتحاد الإفريقي لتقييم الفترة الانتقالية (2022) الوضع بدقة: “الفترة الانتقالية عانت من انفصال كامل بين الخطاب المدني والممارسة الفعلية، مما سمح للمؤسسات الموازية بالنمو دون مقاومة.” ومن هذه المؤسسات: الدعم السريع.
*خامسًا: الأزمة ليست في حميدتي وحده بل في الذين جعلوه “شريكًا”*
ان جوهر الأزمة ليس أن الدعم السريع تضخم، بل أنه تضخم تحت أعين سلطة مدنية رفعت شعارات الثورة (الجنجويد يتحل) ثم ساومت عليها.والسؤال الذي يطرحه الناس اليوم بحق كيف لقوة كانت تُوصف بأنها ميليشيا، أن تتحول في عهد قحت إلى طرف سياسي “شريك”؟
من الذي جلس معه؟
من الذي شرعن وجوده؟
من الذي صمت عن تمدده؟
ومن الذي كان يملك القرار لكنه اختار الخطاب بدل الفعل؟
*التاريخ لا يُكتب بالتصريحات بل بالوقائع*
يمكن للقحاتة أن يرفعوا صوتهم اليوم، ويمكن للإعلام الحزبي أن يصنع روايات جديدة، لكن الوقائع لا تتغير:
تمدد الدعم السريع كان نتيجة تواطؤ مزدوج عسكري يسمح، ومدني يصمت.
وقحت كانت في موقع يسمح لها بالمنع، لكنها اختارت المجاملة السياسية.
ومن يملك السلطة ولا يمارسها، يصبح مسؤولًا عن نتائج تقصيره.
والحقيقة التي لا تحتاج إلى تزييف
ما تمدد الدعم السريع إلا لأن الدولة تخلّت — سياسيًا ومدنيًا — عن واجبها في حماية نفسها.
حملة أمنية لضبط الظواهر السالبة بالدبة
بدأت صباح اليوم الأربعاء حملة أمنية شاملة لمحاربة الظواهر السالبة بمدينة الدبة ، شاركت فيه…





