‫الرئيسية‬ مقالات أجيال النيل د. سهام موسى الاكتئاب المجتمعي وصدمة ما بعد الحرب: نداء للصحة النفسية في السودان
مقالات - ديسمبر 11, 2025

أجيال النيل د. سهام موسى الاكتئاب المجتمعي وصدمة ما بعد الحرب: نداء للصحة النفسية في السودان

بصفتي متخصصة في علم النفس، لا يمكنني أن أغض الطرف عن الأثر النفسي المدمر للنزاع الدائر في السودان. إن ما نشهده ليس مجرد دمار مادي، بل هو انهيار للصحة النفسية على نطاق مجتمعي واسع، يطال جميع الشرائح، ويزيد وطأته على اللاجئين السودانيين في مصر. لقد تحولت الأزمة إلى جائحة صامتة من الاكتئاب المجتمعي، وهي حالة تتجاوز الاكتئاب الفردي لتصبح حالة سائدة من اليأس، والقلق، وفقدان الأمان تعمّ الجماعة بأكملها.

الاكتئاب المجتمعي يختلف عن الحالات الفردية، فهو ينبع من صدمة جماعية ومستمرة، حيث تتشارك الأغلبية الشعور بفقدان السيطرة، والحزن على الخسائر (سواء كانت أرواحًا، منازل، أو مستقبلًا)، والإحباط من الوضع العام. هذه الحالة تتجلى بشكل خاص في الأطفال والمراهقين الذين يعيشون في بيئة من الخوف المستمر، مما يعيق تطورهم النفسي والاجتماعي ويجعلهم عرضة لاضطرابات القلق ونوبات الهلع، وشريحة البالغين الذين فقدوا كل شيء، حيث يترافق حزن الفقد مع ضغوط النزوح والبحث عن لقمة العيش، مما يؤدي إلى الشعور بالعجز والانسحاب الاجتماعي، وأمر كبار السن الذين يرون تاريخهم يُمحى وتراثهم يتصدع، مما يعمق لديهم الشعور بالوحدة والعزلة والاكتئاب الوجودي.

بالنسبة للاجئين السودانيين في مصر، تتفاقم هذه الأعراض لتأخذ شكلاً أكثر تعقيدًا. فهم يعانون من صدمة الحرب متبوعة بـصدمة النزوح والغربة بالشعور بالذنب والنجاة (Survivor’s Guilt)، الشعور بالذنب لكونهم في أمان نسبي بينما يعاني الأهل والأحبة في الوطن، وضغوط الاندماج والاحتياجات الأساسية للصعوبات المادية، وعدم اليقين بشأن المستقبل، وتحديات الاندماج الثقافي، كلها عوامل تزيد من مستويات التوتر والاكتئاب، بالاضافة الى فقدان شبكات الدعم والابتعاد عن الأصدقاء والجيران والأقارب الذين يمثلون خط الدفاع الأول ضد الانهيار النفسي، والخوف من الوصم أو التمييز في المجتمعات المضيفة، مما يجعلهم يكتمون معاناتهم.

عندما تضع الحرب أوزارها – وهو ما نتمناه قريباً – لن ينتهي الألم، بل ستبدأ مرحلة جديدة حرجة؛ صدمة ما بعد الحرب (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD) على مستوى وطني. تتجلى هذه الصدمة في ذكريات الماضي المؤلمة (Flashbacks) واستعادة أحداث القتال والصدمة بشكل متكرر وغير إرادي، وظهور حالات فرط اليقظة، في حالة دائمة من الترقب والقلق والتحفز للخطر، مما يعيق النوم والتركيز، ومحاولة تجنب أي شيء يذكرهم بالحرب (أخبار، أماكن، أو حتى محادثات)، ثم التفكك الاجتماعي والعاطفي وصعوبة في الشعور بالبهجة، والانفصال عن المشاعر، أو الانسحاب من العلاقات.

إن التعافي من هذا الجرح الوطني يتطلب خطة علاجية شاملة وطويلة الأجل، يجب أن تبدأ الآن ولا تتوقف بعد انتهاء القتال بالتدخلات الفورية للاجئين (في أماكن اللجوء) بإنشاء مراكز دعم نفسي مجتمعية، في تجمعات اللاجئين، يديرها متخصصون بالتعاون مع مرشدين أقران (Peer Counselors) من المجتمع السوداني نفسه، بالاضافة الى توفير جلسات فردية وجماعية تركز على تقنيات التثبيت (Grounding) والاستقرار (Stabilization) لمساعدة الأفراد على إدارة نوبات القلق والهلع، وتوفير الأنشطة العلاجية والترفيهية بدمج الفن والموسيقى والرياضة كأدوات للتعبير عن الصدمة وتخفيف التوتر، خاصة للأطفال.

العلاج طويل الأجل (بعد انتهاء الحرب والعودة) يتطلب العلاج المعرفي السلوكي المركّز على الصدمة (Trauma-Focused CBT)، وهو العلاج الأكثر فعالية لاضطراب ما بعد الصدمة، حيث يساعد الأفراد على معالجة الذكريات المؤلمة وتغيير أنماط التفكير السلبية، والعلاج عن طريق حركة العين وإعادة المعالجة (EMDR) بتقنية تُستخدم لمعالجة الذكريات الصادمة وجعلها أقل إزعاجًا، بتوفير برامج الصحة النفسية المجتمعية على نطاق واسع بدمج الدعم النفسي في المراكز الصحية والمدارس والمساجد والكنائس لكسر حاجز الوصم، بالاضافة الى تعزيز المرونة المجتمعية (Community Resilience) بدعم المبادرات المحلية التي تُعيد بناء الثقة والروابط الاجتماعية، وتُركز على القصص الإيجابية للنجاة والتحدي.

إن التعافي رحلة، وليست وجهة. يجب على المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحكومات المضيفة، وخاصة حكومة ما بعد الحرب، أن تضع الصحة النفسية على رأس أولويات إعادة الإعمار. إن بناء وطن مستقر لا يكون بالأسمنت والحديد فحسب، بل ببناء نفوس متعافية قادرة على تجاوز الألم وبناء مستقبل خالٍ من ظلال الحرب.

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…