شيء للوطن م.صلاح غريبة التكنولوجيا والحرب: سباق نحو الهاوية؟

Ghariba2013@gmail.com
انطلاق أعمال المؤتمر الإقليمي الثاني حول “التكنولوجيات الحديثة والقانون الدولي الإنساني” في مقر جامعة الدول العربية، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هو حدث بالغ الأهمية ويأتي في توقيت دقيق وحرج. فالنزاعات المسلحة في المنطقة، وعلى رأسها الحرب الدائرة في السودان، لم تعد مقتصرة على الأسلحة التقليدية، بل دخلت عصر الرقمنة والتشغيل الذاتي والذكاء الاصطناعي. هذا التطور التقني السريع يضع القانون الدولي الإنساني (IHL) أمام اختبار وجودي، ويستدعي وقفة عربية جادة ومشتركة.
إن المحاور التي يطرحها المؤتمر، من منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل إلى الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري والفضاء السيبراني، هي العناوين الكبرى لصراعات المستقبل. السؤال الضاغط هنا: هل ستكون التكنولوجيا الحديثة أداة لتقليل الخسائر المدنية، أم ستصبح وقوداً يصب الزيت على نيران النزاعات المسلحة؟
يُعدّ النقاش حول منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل (LAWS) هو الأكثر إلحاحاً. هذه الأنظمة، التي قد تقرر متى تطلق النار ومن تستهدف دون تدخل بشري حقيقي، تطرح تحديات قانونية وأخلاقية عميقة. فكيف يمكن تطبيق مبادئ القانون الدولي الإنساني الأساسية مثل التمييز (بين المدني والمقاتل) والتناسب (بين الهدف العسكري المتوقع والخسائر المدنية الجانبية المتوقعة) على آلة؟
في حالة الأزمة السودانية، حيث تتداخل خطوط الجبهات وتشتد حرب المدن، فإن استخدام تقنيات كهذه، حتى وإن كانت في مراحلها التجريبية، يفاقم خطر الانتهاكات. فإذا كان من الصعب محاسبة جندي بشرى أخطأ في تقديره، فكيف ستتم محاسبة خوارزمية؟ إن سد “فجوة المساءلة” هذه هو جوهر التحدي الذي يجب على الرؤية العربية المشتركة أن تتصدى له.
إن الجلسات المخصصة لـ “رقمنة النزاعات” واستخدام الفضاء السيبراني هي اعتراف بأن ساحة المعركة انتقلت إلى الفضاء الافتراضي. الهجمات السيبرانية على البنية التحتية المدنية، مثل المستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه، تشكل تهديداً خطيراً يوازي القصف الجوي. يتناول المؤتمر ضرورة حماية البنية التحتية المدنية والخدمات الطبية، وهو مطلب إنساني وقانوني لا يمكن المساومة عليه.
في بيئات النزاع الممزقة، مثل السودان، تعتمد حياة الملايين بشكل متزايد على الخدمات الرقمية الأساسية، وتعطيلها يعني تفاقم الكارثة الإنسانية. إن صياغة مقاربات وطنية وإقليمية لتطبيق القانون الدولي الإنساني على العمليات السيبرانية ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة لحماية حياة الملايين.
على الجانب الآخر، يفتح الذكاء الاصطناعي باباً الأمل الضئيل في “عسكرة مسؤولة”. يناقش المؤتمر دور الذكاء الاصطناعي في تقليل الأضرار على المدنيين واتخاذ قرارات عسكرية أكثر “دقة”. نظرياً، يمكن للأنظمة الذكية أن تعالج كمية هائلة من البيانات لتحديد الأهداف بدقة فائقة وتجنب الأخطاء البشرية القاتلة.
ومع ذلك، فإن هذا الأمل يظل مرهوناً برقابة بشرية صارمة وشفافية في الخوارزميات. فبدون “رقابة بشرية ذات مغزى” (Meaningful Human Control)، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لزيادة وتيرة العنف، حيث تُتخذ القرارات في جزء من الثانية دون أي وقت للمراجعة الأخلاقية أو القانونية.
إن الهدف الأسمى للمؤتمر – وهو بلورة رؤية عربية مشتركة – هو المفتاح لمواجهة هذا الطوفان التكنولوجي. لا يكفي أن تكون الدول العربية “مستهلكة” لهذه التكنولوجيات أو “متأثرة” بنتائجها. يجب عليها أن تكون صاحبة صوت مؤثر في الحوارات العالمية لتنظيمها، خاصة في ظل تزايد استخدام هذه التقنيات من قبل أطراف النزاعات المسلحة، سواء كانت دولاً أو فواعل غير حكومية.
هذا المؤتمر هو خطوة أولى نحو تجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني في عصر الآلة. يجب أن تتحول المداولات إلى مبادرات عملية تهدف إلى: أولاً: وضع خطوط حمراء واضحة للتحكم البشري في منظومات الأسلحة الذاتية. ثانياً: بناء قدرات عربية في القانون السيبراني لحماية البنى التحتية الحيوية. ثالثاً: ضمان أن تكون التكنولوجيا الحديثة أداة للحد من معاناة المدنيين، لا لتعميقها. إن صمتنا أو تقاعسنا عن تنظيم هذا المجال الآن يعني سباقاً نحو الهاوية حيث تتلاشى القواعد الأخلاقية والقانونية أمام السرعة المذهلة للتقنية.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





