‫الرئيسية‬ مقالات شيء للوطن م.صلاح غريبة أمن النيل في كف “الدفاع المشترك”: رسائل القاهرة الحاسمة
مقالات - ديسمبر 19, 2025

شيء للوطن م.صلاح غريبة أمن النيل في كف “الدفاع المشترك”: رسائل القاهرة الحاسمة

Ghariba2013@gmail.com

 

لم يكن مشهد الاستقبال المهيب الذي حظي به رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في القاهرة مجرد إجراء بروتوكولي بين دولتين جارتين، بل كان إعلاناً سياسياً مدوياً، انعطافة استراتيجية وضعت حداً لسنوات من “الصمت الصبور”. لقد بعثت مصر، ومن خلفها السودان، برسالة مفادها أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن العبث بوحدة السودان ومؤسساته لم يعد مجرد “شأن داخلي”، بل هو مساس مباشر بالأمن القومي المصري يتطلب استدعاء أقصى درجات الحزم.

المتأمل في البيان الصادر عن الرئاسة المصرية يلحظ “انقلاباً جوهرياً” في التوصيف. فلأول مرة، تخرج اللغة الدبلوماسية عن تحفظها المعتاد تتحدث صراحة عن “اتفاقية الدفاع المشترك”. هذا التلويح لم يأتِ من فراغ، بل هو رد فعل على وصول التهديدات إلى نقطة “اللاعودة”.

إن إعلان مصر أن وحدة السودان وسلامة أراضيه وشرعية مؤسساته هي “خطوط حمراء”، هو بمثابة درع قانوني وسياسي يمنع تحويل السودان إلى “أشلاء دول” أو مرتع للمليشيات العابرة للحدود. مصر اليوم لا تتضامن مع السودان كشقيق فحسب، بل تتحرك كشريك في المصير، تدرك أن سقوط الخرطوم يعني وصول الحريق إلى أبواب القاهرة.

لماذا الآن؟ قراءة في الدوافع الجيوسياسية

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اختارت القاهرة هذا الوضوح القاطع في هذا التوقيت بالذات؟

تجمع القراءات الاستراتيجية على أن هناك متغيرات ميدانية فرضت هذا التحول، فتجاوز الصراع حدوده التقليدية: دخول قوات إقليمية (مثل جيش جنوب السودان في هجليج) دق ناقوس الخطر من أن السودان يتحول إلى ساحة مفتوحة تصفيات حسابات إقليمية وتدخلات جيوش أجنبية، وهو ما لن تسمح به مصر أبداً.

المؤامرة الوجودية واستشعار القيادة المصرية بأن ما يواجهه الجيش السوداني والشعب السوداني ليس مجرد تمرد، بل مؤامرة لتمزيق الدولة وإنشاء “كيانات موازية” تشرعن الفوضى.

التناغم مع الرؤية الدولية الجديدة وتزامن هذا الموقف مع دعم مصر لرؤية الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لإحلال السلام، مما يعطي التحرك المصري غطاءً دولياً يوازن بين الرغبة في التهدئة والحزم في حماية السيادة.

حين تشير مصر إلى حقها في اتخاذ كافة التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك، فهي تضع يدها على “الزناد” الاستراتيجي. هذه الإشارة موجهة بوضوح إلى المليشيات المتمردة بأن الرهان على استنزاف الدولة السودانية له سقف، وأن “العمق المصري” جاهز للتدخل لحماية الشرعية، والرسالة الأطراف الإقليمية بأن أي محاولة للعبث بحدود السودان أو دعم الانفصال ستواجه بردة فعل تتجاوز الإدانة السياسية.

إن زيارة البرهان للقاهرة في ١٨ ديسمبر ٢٠٢٥ ستظل علامة فارقة؛ فهي لم تعد ترتيباً لبيت سوداني منهار، بل هي إعادة رسم لخارطة الأمن في حوض النيل والقرن الإفريقي. مصر أثبتت أنها “سند الشدائد”، وأن أمن السودان هو “مبتدأ” أمنها القومي وليس “خبراً” ثانوياً.

لقد انتهى زمن الانتظار، ورُسمت الخطوط باللون الأحمر القاني. والرسالة اليوم بسيطة وعميقة: وحدة السودان ومؤسساته هي ثوابت لا تقبل المساومة، والرجالُ نُجحها في فعلها.

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…