خواطر ابن الفضل ثورة ديسمبر بين وهم «لا للحرب» وواجب العدالة د. محمد فضل محمد

كانت ثورة ديسمبر ثورة شعب، خرج فيها السودانيون بحلم مشروع في التغيير الإيجابي، وبأمل صادق في بناء دولة عادلة تحترم الإنسان وتصون كرامته. ولا أظن عاقلًا ينكر أن غالبية هذا الشعب أرادت إصلاحًا حقيقيًا، وأن مطلب التغيير كان جامعًا، يتجاوز الأحزاب والأيديولوجيات. لكن المآسي الكبرى لا تبدأ دائمًا من الحلم، بل من اختطاف الحلم وتحويله إلى أداة لتحقيق مصالح ضيقة.
نعم لقد شارك الشعب في ثورة ديسمبر، و لكن سرعان ما برزت فئة أرادت أن تتاجر بالثورة، وأن تُجيرها لصالحها، وتختزل مشروعًا وطنيًا عريضًا في شعارات حزبية محدودة. هذه الفئة لم تتعامل مع الثورة باعتبارها أمانة تاريخية، بل كرصيد سياسي قابل للاستخدام والتوظيف متى ما اقتضت الحسابات.
ومن أخطر مظاهر هذا التوظيف، السعي إلى استغلال شعارات الثورة — وعلى رأسها شعار “السلام”، أو ما يُسوَّق له اصطلاحًا بـ“لا للحرب” — لتقويض الاصطفاف الوطني وتشويش وعيه حول القوات المسلحة. يُرفع الشعار بواجهة أخلاقية براقة، لكن الهدف العملي في كثير من الأحيان هو إضعاف هذا الاصطفاف، وخلخلة الجبهة الداخلية، وفتح الطريق أمام عودة الشريك المتمرد دقلو إلى المشهد، بعد منحه مسحة سياسية جديدة.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
لقد أصبح شعار «لا للحرب» — في ظل هذا الواقع الدموي — فارغ المحتوى حين يُفصل عن العدالة. فما جدوى الشعار، والمواطن يُقتل بدم بارد؟ وما قيمته، والنساء يُغتصبن، والممتلكات تُنهب، ودارفور تنزف بلا توقف؟ ثم يُطلب من الحكومة أن توقّع سلامًا يُكافأ فيه المعتدي، ويُمنح مكاسب سياسية، وكأن الجرائم يمكن أن تُمحى بالتوقيعات والبيانات.
أي سلام هذا الذي يُبنى على إنكار الدم؟ وأي ثورة تُصان بتبييض القتلة؟
إن الحديث عن السلام لا يكون صادقًا ما لم يُسمِّ الجريمة جريمة، والمعتدي معتديًا. فالمليشيا التي ترتكب المجازر، ويُصرّ بعض أفرادها على التفاخر بقتل أكثر من (2000) إنسان، لا يمكن أن تكون شريك سلام، بل موضوع محاسبة. والسلام الذي يُكافئ الجريمة ليس سلامًا، بل شرعنة للفوضى، ورسالة خطيرة مفادها أن السلاح طريق مشروع لفرض الشروط.
إن إيقاف الحرب لا يتحقق بالشعارات المجردة، ولا بالمزايدات العاطفية، وإنما بخارطة طريق واضحة، تبدأ بإنهاء التمرد، وتفكيك المليشيا، وحماية المدنيين، ثم الذهاب إلى سلام عادل لا يعيد إنتاج الأزمة. وهذه الخارطة هي ما طرحته الحكومة، واصطف خلفها الشعب، إدراكًا منه أن السلام المستدام لا يُبنى على المساومة بالدم، بل على العدل أولًا.
وفي تقديري، فإن أي سلام لا يقوم على استسلام الجنجويد، وخضوعهم للمساءلة والعدالة، هو خيانة صريحة لثورة ديسمبر؛ لأن الثورة قامت من أجل الكرامة، لا من أجل الإفلات من العقاب، ومن أجل الدولة، لا من أجل المليشيات.
إن ثورة ديسمبر ليست ملكًا لحزب، ولا لتيار، ولا لصفقة سياسية. هي أمانة في عنق الوطن كله. وعلى الذين يستغلون شعاراتها أن يكفّوا عن تفريغها من معناها، وأن يتوقفوا عن توفير الغطاء السياسي للقتلة والمغتصبين، وألا يسمحوا — قولًا أو فعلًا — بتفلت المجرمين من العقاب.
فالسلام الحقيقي لا يُهادن الجريمة،
ولا يُكافئ المعتدي، ولا يُبنى على وهم الشعارات، بل يقوم على العدالة، والمحاسبة، والاصطفاف الصادق خلف الدولة وخارطة الطريق التي اختارها الشعب.
ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع
في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…





