‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل عندما تُستدعى شعارات الثورة خارج سياقها السياسة بين المبدأ والمآل د. محمد فضل محمد
مقالات - ديسمبر 20, 2025

خواطر ابن الفضل عندما تُستدعى شعارات الثورة خارج سياقها السياسة بين المبدأ والمآل د. محمد فضل محمد

تابعتُ، كما تابع كثيرون، المسيرات التي خرجت مؤخرًا وهي ترفع شعارات منسوبة لثورة ديسمبر، ورددت هتافات مألوفة مثل:

«مدنية نجيبها ليك»،

«والكاكي نُشرِّطو ليك»،

«وبرهان نحاسبوا ليك».

ومع التسليم بحق التعبير، يظل السؤال المنطقي الذي لا يجوز القفز عليه: هل هذه الشعارات تُقال في سياقها الصحيح؟ وهل يخدم توقيتها مصلحة الثورة، أم يُربك معركة بقاء الدولة؟

 

ان الثورات، في أصلها، لا تُقام لهدم الدول، بل لإصلاحها، ولا تُختزل في شعارات تُقال بمعزل عن الواقع. وحين تُرفع ذات الشعارات في لحظة يخوض فيها الجيش معركة وجود ضد ميليشيا متمردة، فإن الخلط بين المبدأ والتوقيت يصبح إشكالًا وطنيًا لا مجرد اختلاف سياسي.

 

إن الدعوة إلى المدنية، والمطالبة بالمحاسبة، حقوق مشروعة لا يُنكرها عاقل، لكن الهتاف ضد الجيش في زمن الحرب، بينما الخطر الداهم تمثله ميليشيا لا تؤمن بدولة ولا بثورة، يطرح تساؤلات مشروعة حول الأولويات لا حول النوايا.

وقد قرر القرآن أصلًا جامعًا في هذا الباب، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]

فالخلاف حين يتحول إلى تنازع في أوقات الخطر، لا يُضعف خصمًا، بل يُضعف الدولة نفسها.

وإذا انتقلنا من الشعار إلى التجربة، فإن الحديث عن دماء الشهداء يفرض قدرًا من الصدق التاريخي.

فقوى الحرية والتغيير (قحت) تولّت إدارة المرحلة الانتقالية لأكثر من عامين، وكانت صاحبة اليد العليا سياسيًا وتنفيذيًا، ومع ذلك لم تُنجز ملف العدالة، ولم تُسمِّ الجناة، ولم تُنصف أسر الشهداء، بل ظل الملف مؤجلًا ومُسيّسًا، تحكمه حسابات التحالفات لا مقتضيات الحق وليس خافيًا أن قحت كانت في تحالف سياسي مع الميليشيا في تلك الفترة، وهو تحالف قيّد الإرادة السياسية، وأفرغ شعارات العدالة من مضمونها.

وحين قصدت أسر الشهداء مؤسسات الحكم طلبًا للإنصاف، لم تجد العدالة الموعودة، بل وُوجهت بالإجراءات والتسويف، بل وبالتفريق، وهو ما رسّخ فجوة الثقة بدل أن يردمها.

من هنا، يصبح من المشروع أن يُسأل: لماذا تُستدعى ذات الشعارات اليوم، في ظرف أخطر، بينما لم تُترجم إلى أفعال حين كانت السلطة بيد من يرفعونها؟

إن إعادة إنتاج الخطاب نفسه، دون مراجعة للتجربة، ودون اعتراف بالإخفاقات، لا يخدم الثورة، بل يكرر أخطاءها في توقيت أشد حساسية.

ان الإسلام، وهو دين عدل وحكمة، يقرر مبدأ فقه الأولويات، ويضع لكل مقام مقالًا، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]

والقسط لا يتحقق بالانتقائية، ولا بتجاهل خطر الميليشيا، ولا بتغليب الخصومة السياسية على سلامة الوطن. نعم، المحاسبة حق. ونعم، المدنية مطلب مشروع. لكن حفظ الدولة شرط سابق على كل ذلك، فالدولة إذا سقطت، سقط معها الحق، وضاعت العدالة، ولم يبقَ مجال لا لثورة ولا لإصلاح.

إن الوطنية اليوم لا تعني إسكات الأصوات، بل تعني ترشيدها، ولا تعني تبرئة أحد، بل تعني ترتيب الأولويات. فالخلاف يُدار داخل الدولة، لا في لحظة تهديد وجودها.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]

وفي زمن الخطر، يكون الاصطفاف الواعي فريضة وطنية، لا نقيضًا للثورة، بل الضمان الحقيقي لبقائها، حتى لا نُفاجأ يومًا بأننا خسرنا الدولة، ونحن نختلف على شعاراتها.

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…