‫الرئيسية‬ مقالات شيء للوطن م.صلاح غريبة سلام الشجعان: مبادرة “الأمل” لإنقاذ الوجود السوداني
مقالات - ديسمبر 23, 2025

شيء للوطن م.صلاح غريبة سلام الشجعان: مبادرة “الأمل” لإنقاذ الوجود السوداني

Ghariba2013@gmail.com

 

من منبر مجلس الأمن الدولي، وفي لحظة فارقة من تاريخ السودان المثقل بالجراح، أطلق رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس صرخة مدوية لم تكن مجرد طلب للمساعدة، بل كانت خارطة طريق سيادية لاستعادة وطن يقف على حافة الهاوية. مبادرة “حكومة الأمل” التي استعرضها، ليست مجرد مناورة دبلوماسية، بل هي “عقد اجتماعي وأمني” جديد يهدف إلى إنهاء دائرة العنف المفرغة وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والسيادة.

تكتسب هذه المبادرة قوتها من كونها “صناعة سودانية” بامتياز، لم تُمْلَ من الخارج، بل نبعت من إدراك عميق لحجم الكارثة الإنسانية والوجودية التي تسببت فيها الحرب. لقد وضع رئيس الوزراء النقاط على الحروف حين أكد أن السودان لا يطلب “تعاطفاً” بل يطلب “شراكة” دولية لضمان العدالة. هذه اللغة الندية تعكس رغبة الدولة السودانية في استعادة زمام المبادرة، مع الانفتاح على التكامل مع الجهود الإقليمية (الأمريكية السعودية المصرية) لضمان فاعلية التنفيذ.

أركان المبادرة من البندقية إلى صندوق الاقتراع، وتستند إلى تراتبية منطقية صارمة لا تقبل المواربة، يمكن تلخيص ملامحها في مسارات متوازية: المسار الأمني (إنهاء الاحتلال) ويبدأ بوقف شامل لإطلاق النار يتلوه انسحاب فوري للمليشيا من الأعيان المدنية والمناطق المحتلة وفقاً لإعلان جدة، وتجميعهم في معسكرات تحت رقابة دولية (أممية، أفريقية، وعربية) لضمان نزع السلاح الشامل ومنع تدويره.

المسار الإنساني (حق العودة) بربط السلام بعودة النازحين واللاجئين وتأمين انسياب المساعدات، وهي رسالة طمأنة لملايين السودانيين المشردين بأن الدولة عادت لتكون حصنهم المنيع، والمسار القانوني (المساءلة لا الانتقام)، حيث أكد الدكتور إدريس أن “لا سلام دون مساءلة”. المبادرة لا تمنح صكوك غفران للإفلات من العقاب، بل تفتح الباب للملاحقة القانونية في الحق العام، مع تبني سياسات مرنة لتوفيق أوضاع الراغبين في العودة ومراجعة البلاغات الجنائية.

لم تغفل المبادرة الجانب النفسي والمادي للمجتمعات المتضررة؛ فبرنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR) المقترح، جنباً إلى جنب مع جبر الضرر ودعم المشاريع التنموية في دارفور وكردفان وبقية الولايات، يمثل حجر الزاوية لمنع العودة للحرب. إن عقد مؤتمرات المصالحة الوطنية بالتعاون مع المانحين هو اعتراف بأن جراح الحرب لا تلتئم فقط بوقف الرصاص، بل برتق النسيج الاجتماعي الذي تمزق.

الهدف الأسمى: سلطة وطنية واحدة، الرسالة الجوهرية التي وجهها رئيس الوزراء للعالم وللداخل هي: “لا استقرار بدون سلطة وطنية واحدة”. المبادرة تضع نهاية واضحة للفترة الانتقالية عبر حوار (سوداني-سوداني) يفضي إلى انتخابات حرة، مما يعني أن الشرعية هي المخرج الوحيد من الأزمة، وأن السلاح لن يكون يوماً بديلاً عن صوت المواطن.

نداء للتاريخ، حين وجه الدكتور كامل إدريس نداءه لمجلس الأمن بأن يذكره التاريخ “كشريك في التعافي لا كشاهد على الانهيار”، كان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية. السودان اليوم يدمي، والمدن تحولت إلى ركام، لكن “حكومة الأمل” تقدم اليوم فرصة تاريخية لإسكات البنادق بشجاعة.

مبادرة السلام السودانية هي حزمة متكاملة تجمع بين “الحزم في إنفاذ القانون” و”الرحمة في جبر الضرر”. إنها رؤية وطنية تدرك أن السلام العادل هو الذي يستند إلى القانون ويحميه المجتمع الدولي، وهو المسار الوحيد الذي سيعيد للسودان هيبته وللإنسان السوداني كرامته المسلوبة.

‫شاهد أيضًا‬

تجمع السودانيين بالخارج يرفض تجاوز السيادة الوطنية في مؤتمر برلين

أعلن تجمع السودانيين بالخارج (صدى) متابعته ببالغ القلق للتحركات الدولية الجارية من قبل الآ…