‫الرئيسية‬ مقالات حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام – الثورات السودانية في الميزان (1-7)
مقالات - ديسمبر 24, 2025

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام – الثورات السودانية في الميزان (1-7)

توطئة:

كل الثورات بجميع أشكالها تولد نتيجة الإحساس بضرورة التغيير. تختلف أنواع الثورات باختلاف الوضع المهيمن على المشهد. فلكل فعل رد فعل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون مساوٍ له في القوة أو مضادًا له في الاتجاه. تلك القاعدة ينفيها أو يثبتها تفاعل الفاعل وتقييمه للفعل المناسب: أهو مكمل لما قبله أم على النقيض؟

 

فالثورة نفسها ليس بالضرورة أن تهدم لتبني، وإنما يمكنها التغيير والتصحيح بأساليب عديدة، مستصحبة معها كثيرًا من المعطيات والمحاذير. فالدعوة للحرية لا تعني الانحلال، والمطالبة بالمساواة تكون بلا اختلال في الميزان، والعدل كل لا يجزأ.

 

من هذه المعطيات رأينا أن نحلق حول الثورات السودانية التي حدثت في السودان وأثرها السلبي والإيجابي وأسبابها، والتحليق حولها علنا نستجلي بعض الحقائق التي ظاهرة نتائجها بين يديْنا في وطننا السودان.

 

السودان قد شهد العديد من الثورات بنوعيها المدني والعسكري، وهنا يطرح سؤال في غاية الأهمية ما زال الناس عليه حزبون ولم يصلوا فيه إلى إجابة: هل الجيش هو طرف في صراع على السلطة؟ وسنجيب على هذا السؤال فيما سيرد من تحليل وأخبار.

 

السودان استحق أن يطلق عليه بلد الثورات، فقد شهد السودان ثلاثة ثورات. فلنقل حزبية، فالشعب السوداني لم يشهد إجماعًا على جميع الثورات التي قامت، إنما ارتضاها بمحض إرادته لظروف كانت في حينها، وكان يأمل في الأفضل حتى إذا ما انفرط العقد وباتت الأوضاع ذاهبة إلى الأسوأ، قفز حزب آخر رافعًا شعار الثورة والتغيير بعد فاصل من الحكم العسكري له أسبابه ودواعيه، ولكن قطعًا ليس الذهاب إلى السلطة كان مبتغاه، وذلك الأمر يعيه كل ذي لبان ولب سليم.

 

فثورة أكتوبر كانت حمراء كاملة الدسم. فقد بعدها الحزب الشيوعي البوصلة ولم يستطع أن يحكم برغم ثورته. وحكم حزبا الأمة والوطني الاتحادي، مما أوغر صدر الحزب الشيوعي الذي تحالف مع مايو وأسقط النظام الديمقراطي.

 

وقبل إقصاء الإسلاميون لهم، كانت لهم محاولة فاشلة في الانقلاب على مايو من الداخل في انقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971، أي بعد عامين من قيام ثورة مايو. وكانت تلك المحاولة قاصمة الظهر للحزب الشيوعي السوداني، وتحول جعفر نميري من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وتحالف مع الجبهة القومية الإسلامية، فطبقت مايو الشريعة الإسلامية أو ما عرفت بقوانين سبتمبر.

 

أقام الشيوعيون الدنيا وما أقعدوها حتى كانت الانتفاضة في أبريل 1985 التي أسقطت مايو. وكانت الفترة المدنية في الحكم بما يعرف بالديمقراطية الثالثة حسب تسميات عراب الديمقراطيات الزائفة الراحل زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، التي تخللها عام من الانتقال لحكومة عسكرية بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئيس المجلس الانتقالي وبرئاسة الدكتور الجزولي دفع الله.

 

وقد كانت الجبهة الإسلامية في فترة الحكومة الانتقالية قد ساهمت كثيرًا في الأوضاع المعيشية والأعمال التطوعية العلاجية في جميع أنحاء السودان، وبدت في استقطاب سواقط الأحزاب من الكوادر. كما أنها دربت قيادات ميدانية مدنية تطوعية من جميع أنحاء السودان بغية الشروع في الدخول في الانتخابات آملة في الفوز والحكم، ولكن كان المفاجأة غير المتوقعة لهم فوز الحزبين التقليديين للمرة الثانية وهما حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي بالأغلبية التي مكنتهما من تشكيل الحكومة.

 

واكتفت الجبهة الإسلامية بالبرلمان والمعارضة بزعامة علي عثمان، وذهب شيخه لعضوية وزيرا للخارجية إذ إنه سقط في دائرة الخريجين بالصحافة أمام محامي مغمور في ذلك من الحزب الشيوعي وهو عز الدين علي عامر.

 

واكتفت الجبهة الإسلامية بالمعارضة بزعامة الأستاذ علي عثمان. وما أسهل أن تعارض. وللحقيقة والتاريخ، لقد أجادت الجبهة الإسلامية في المعارضة بشتي أشكالها المشروعة وغير المشروعة ساعدها في ذلك الخلافات التي نشبت في بيت آل المهدي وانشغال السيد الصادق رئيس الوزراء بسفاف الأمور وهلم جرا.

 

بينما اندلع التمرد في الجنوب، وتم إهمال الجيش تمامًا حتى إن الجيش في عهد الصادق المهدي تم مده بزخيرة فشنك. أما الاتحاديون كانت لهم رؤية أخرى في حل مشكلة الجنوب، وتم الاتفاق علي وثيقة مع التمرد برئاسة العقيد جون قرن كانت تنتظر الرد من السيد رئيس الوزراء الصادق المهدي واللجنة الأمنية والجيش.

 

وفي نفس الوقت سعى السيد محمد عثمان الميرغني لتسليح الجيش لتقوي شوكته بجلب دعم من العراق إلى الجيش، وهي صواريخ الراجمات التي كانت تعد من الأسلحة الحديثة في ذلك الوقت. وانفرض العقد الأمني، وجاع الناس حتى بات الناس يأكلون الخبز الجاف .

 

فكانت مذكرة الجيش الشهيرة 20 فبراير 1989 التي ضمت أكثر من مئتي ضابط في جميع أنحاء السودان برتبة المقدم فما فوقها، وحذرت من الأوضاع الأمنية في كل السودان وخاصة الوضع القتالي في الجنوب، والتي أكد الجيش فيها التزامه بالمسار الديمقراطي ودعم واحترام إرادة ورغبات الشعب السوداني والزود عن الوطن، وذكرت بالتحول الانتقالي سابقًا وتسليم الجيش الحكومة للأحزاب.

 

وفي ذلك الوقت وتلك الظروف، كان زعيم الجبهة الإسلامية دكتور حسن الترابي ممن ناقش هذه المذكرة مع القيادات العسكرية بصفته عضوًا في لجنة الأمن القومي. فأوحت تلك المذكرة للترابي بفكرة الانقلاب بعد أن اتهم قيادات الجيش بأن هذه المذكرة انقلابية. ونفت قيادة الجيش ذلك وذكروا للترابي لو كنا نريد الانقلاب فما أسهل ذلك لهشاشة الوضع الأمني. وكان ذلك بلسان السيد الفريق أول بحري فتحي أحمد علي القائد العام لقوات الشعب المسلحة.

 

وقد تلا ذلك الاجتماع انقلاب 30 يونيو أو ما يعرف بثورة الإنقاذ. وللحديث بقية إن شاء الله. حفظ الله البلاد والعباد. جيش واحد شعب واحد. ودمتم سالمين ولوطني سلام.

 

الأربعاء / 24 / ديسمبر / 2025

‫شاهد أيضًا‬

ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع

في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…