‫الرئيسية‬ مقالات حديث الساعة  الهام سالم منصور  لماذا تتدخل إسرائيل   في الشؤون الإفريقية الآن؟ قراءة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي
مقالات - ديسمبر 28, 2025

حديث الساعة  الهام سالم منصور  لماذا تتدخل إسرائيل   في الشؤون الإفريقية الآن؟ قراءة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي

لم يكن التدخل الإسرائيلي المتسارع في الشؤون الإفريقية، وخاصة في منطقة القرن الإفريقي، حدثًا عابرًا أو وليد اللحظة، بل هو تحرك محسوب بدقة جاء في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا. فالسؤال الحقيقي ليس هل تتدخل إسرائيل في إفريقيا، بل لماذا الآن، وماذا تريد من هذا التمدد السياسي والأمني؟

أولًا: الهروب إلى الأمام من العزلة الدولية

تواجه إسرائيل في هذا التوقيت واحدة من أعقد مراحل عزلتها السياسية والأخلاقية منذ عقود، على خلفية حربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وتزايد الاتهامات الدولية بارتكاب جرائم حرب. في مثل هذه اللحظات، يلجأ العقل الإسرائيلي إلى فتح ساحات نفوذ بديلة، وإعادة تدوير صورته عبر بناء تحالفات خارج الإطار الغربي التقليدي، وكانت إفريقيا هدفًا جاهزًا لذلك.

إسرائيل تسعى إلى كسب أصوات دول إفريقية داخل المنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، لتخفيف الضغط السياسي والقانوني المتصاعد ضدها، وخلق توازن عددي يحد من قرارات الإدانة والعقوبات.

ثانيًا: القرن الإفريقي… قلب الأمن القومي الإسرائيلي

منطقة القرن الإفريقي ليست بعيدة عن الحسابات الأمنية الإسرائيلية، بل تُعد امتدادًا مباشرًا لما تسميه إسرائيل “الأمن القومي الموسّع”. السيطرة أو النفوذ في هذه المنطقة يمنح إسرائيل:

مراقبة طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب

الضغط غير المباشر على دول عربية مركزية

تأمين خطوط التجارة والطاقة

تطويق الخصوم الإقليميين، وعلى رأسهم إيران وحلفاؤها، من زاوية جديدة

لذلك، فإن أي حضور إسرائيلي في الصومال، إثيوبيا، إريتريا، أو عبر كيانات انفصالية، هو جزء من معركة جيوسياسية أكبر.

ثالثًا: توظيف الكيانات الهشّة والانفصالية

العقل الإسرائيلي يميل تاريخيًا إلى التعامل مع الهامش لا المركز، ومع الكيانات الهشّة لا الدول القوية. دعم الحركات الانفصالية أو الاعتراف بها يمنح إسرائيل:

نفوذًا سياسيًا بأقل كلفة

قواعد نفوذ غير رسمية

أوراق ضغط على الدول الأم

فرصًا استخباراتية وأمنية واسعة

الاعتراف بإقليم داخل دولة إفريقية ذات سيادة لا يمكن فصله عن هذا النهج، وهو تكرار لنموذج قديم قائم على تفكيك الدول من الداخل بدل مواجهتها مباشرة.

رابعًا: كسر العمق العربي والإسلامي في إفريقيا

إفريقيا ليست مجرد ساحة نفوذ، بل تمثل عمقًا استراتيجيًا عربيًا وإسلاميًا مهمًا، سواء سياسيًا أو ديموغرافيًا أو دينيًا. التمدد الإسرائيلي في إفريقيا يهدف إلى:

إضعاف المواقف الإفريقية الداعمة للقضية الفلسطينية

تفكيك التنسيق العربي الإفريقي

تقليص الدور التاريخي لدول مثل مصر، السودان، الجزائر، والسعودية

خلق واقع سياسي جديد تُقدَّم فيه إسرائيل كشريك “أمني وتنموي”

خامسًا: ربط الملفات… فلسطين مقابل الجغرافيا

في هذا التوقيت، تحاول إسرائيل الربط بين ملفات متعددة:

فلسطين، القرن الإفريقي، البحر الأحمر، وملفات التهجير.

الرسالة الإسرائيلية الضمنية هي: من يقبل بالتعاون معنا في إفريقيا، نمنحه مكاسب سياسية أو اعترافات غير مشروعة، في مقابل الصمت أو التواطؤ مع سياساتها تجاه الفلسطينيين.

هذا الربط يمثل خطرًا حقيقيًا، لأنه يحوّل القضايا الإفريقية إلى أوراق مساومة في صراع دولي أكبر.

سادسًا: قراءة إسرائيل لمرحلة السيولة الدولية

إسرائيل تتحرك في ظل نظام دولي مضطرب، وانشغال القوى الكبرى بصراعات متعددة (أوكرانيا، آسيا، الشرق الأوسط). هذه “السيولة” تشجّعها على اختبار الخطوط الحمراء، وفرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من غياب ردع دولي حاسم.

خلاصة القول

إسرائيل لا تتحرك في إفريقيا بدافع التنمية أو الشراكة، بل بعقلية أمنية استعمارية قديمة بثوب جديد. ما تفكر فيه إسرائيل اليوم هو:

توسيع نفوذها خارج الشرق الأوسط

تعويض خسائرها السياسية والأخلاقية

تفكيك الدول بدل مواجهتها

استخدام إفريقيا كساحة ضغط وابتزاز سياسي

وإذا لم يُواجَه هذا التمدد بموقف إفريقي–عربي–إسلامي موحد، فإن تداعياته لن تقتصر على دولة واحدة، بل ستمتد لتطال استقرار الإقليم بأكمله.

 

 

٢٧ديسمبر٢٠٢٥

‫شاهد أيضًا‬

أغوار وأسرار الشخصية السودانية (2-10)

لقد تطرق كثير من الباحثين والمثقفين إلى الحديث عن الشخصية السودانية وتعريفها، وقد ذهب كثير…