خواطر ابن الفضل الدين لا يُحاكم بجرائم من خانوه د. محمد فضل محمد

إن من أخطر مظاهر الخلط الفكري في زمن الفتن، بل ومن أخسّ صور الانحراف وأوضح دلائل السقوط الأخلاقي، أن يُحمَّل شعار (الله أكبر) وزر الجرائم، وأن يُجعل الخطأ في التطبيق ذريعة للطعن في أصل الشعار، لا في من شوَّهَه وأسـاء إليه؛ فيستغلّ بعض الناس جرائم المجرمين ليجعلوا منها مبرّرًا لسبّ الدين نفسه، والطعن في شعائره، والاستهزاء بشعار (الله أكبر)، لا لمحاسبة الجناة، ولا طلبًا للعدل، بل لنَفث حقدٍ دفين على الإسلام تحت غطاء زائف من الغضب أو الإنسانية.
ويخرج علينا من يتعمّد قلب الحقائق وتشويه الوعي، فيزعم – زورًا وبهتانًا – أن قول «الله أكبر» صار وسيلة لتحليل أي جريمة تُرتكب بعدها؛ فيخلط خلطًا فاسدًا بين شعار التوحيد وبين أفعال القتل والنهب والسحل والاغتصاب وسفك الدماء، وكأن الجريمة تُنسب إلى الكلمة، لا إلى المجرم الذي خانها وداس معناها بفعله.
وهذا – والله – ليس نقدًا، ولا غيرةً على الإنسان، ولا موقفًا أخلاقيًا، بل هو عدوانٌ صريح على شعار (الله أكبر)، وانحدارٌ لغوي وفكري، وتوظيفٌ قذر لآلام الضحايا في معركة فكرية خسيسة، لا تخدم عدلًا، ولا تُنصف مظلومًا، ولا تُقيم حقًا.
*أولًا: شعار (الله أكبر) لا يُدان بجريمة من رفعه ظلمًا*
قول «الله أكبر» ليس شعار جماعة، ولا لافتة حزب، ولا غطاءً سياسيًا، بل هو:
١. كلمة التوحيد العملية
٢. شعار الصلاة والأذان
٣. أعظم ذكرٍ يتقرب به المسلم إلى ربه قال تعالى:﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[الحج: 32] فمن رفع هذه الكلمة ليقتل أو يغتصب أو يظلم، لم يطبّقها، بل خانها، ولم ينطلق من الدين، بل خالفه نصًّا وروحًا، وكانت الكلمة عليه حُجّةً لا له.
*ثانيًا: الإسلام يجرّم هذه الأفعال صراحة*
ان الإسلام الذي يُتَّهَم زورًا بهذه الجرائم هو أول من حرّمها ولعن فاعليها:
١. تحريم قتل النفس البريئةقال تعالى:﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
٢. تحريم الاعتداء على الأعراض قال النبي ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»(متفق عليه)
٣. كما انه يحريم التمثيل والوحشيةقال ﷺ: «ولاتمثّلوا» (رواه مسلم)
فأي دينٍ هذا الذي يُستدلّ به على أفعالٍ هو أول من حرّمها وشدّد في إنكارها؟
*ثالثًا: الخلل في البشر لا في الدين وإن استخدام بعض المجرمين أو المنحرفين للشعارات الدينية لتبرير أفعاله:*
١. لا يجعل الجريمة دينية
٢. ولا يحوّل الشعار إلى أداة إجرام
٣. ولا يبرّر سبّ الدين ولا شعائره وقد قرّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الأصل نصًّا صريحًا، فقال:«وليس كلُّ من انتسب إلى الإسلام أو تكلّم باسمه يكون قائمًا به، بل قد يكون مخالفًا لأمره ونهيه»(مجموع الفتاوى، ج7، ص284)
٣. فكما لا تُدان القوانين لأن مجرمًا خالفها، ولا تُسبّ العدالة لأن فاسدًا تلاعب بها فلا يُسبّ الإسلام ولا شعار (الله أكبر) لأن مجرمًا تلبّس باسمه زورًا وعدوانًا.
*رابعًا: السبّ ليس نقدًا بل إساءة وانحراف*
النقد الحقيقي:
يُوجَّه للأفعال ويُحمِّل الأشخاص مسؤولية جرائمهم ولا يتحوّل إلى سبٍّ للدين أو استخفافٍ بالشعائر
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] فإذا كان الإسلام نهى عن سبّ معبودات المشركين، فكيف يُستباح سبّ شعائره وشعاراته بحجة الغضب من فئة أو جماعة؟
*خامسًا: الموقف العادل الذي يجمع عليه العقلاء* هو:
١. محاسبة كل من ارتكب جريمة باسم الدين أو بدونه
٢. رفض استغلال الشعارات الدينية لتبرير العنف
٣. حماية شعار (الله أكبر) من التوظيف الإجرامي أو الابتذال الأيديولوجي
وفي الختام إن من يقتل أو يغتصب وهو يقول «الله أكبر»
لم يطبّق الشعار، بل انتهكه وكذّبه بفعله. وإن من يسبّ شعار (الله أكبر) بدل محاسبة المجرم
لا ينتصر للإنسانية، بل يظلم الحقيقة ويطعن في أصل الدين.
والحق الذي لا يقبل المواربة أن الإسلام يستحيل أن يشرّع الظلم أو يقرّه؛ فالدين لا يُدان أصلًا، لأن التشريع فيه عدلٌ كلّه، وإنما يُدان المجرم إذا استعمل اسم الإسلام زورًا لتغطيـة ظلمه وعدوانه.
منحنى النيل وحكاية بت المأذون
عندما غنى الراحل عبدالكريم الكابلى فيك يامروى شفت كل جديد كان ذلك في نهاية الخمسينات كانت …





