نقطة إرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب : القاتل الاقتصادي

في زمن الهيمنة الناعمة، لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات، بل تُدار من خلف مكاتب مكيفة، وتُشن عبر عقود ظاهرها التنمية وباطنها الاستعباد. القاتل الاقتصادي لا يحمل بندقية، بل يحمل حقيبة مليئة بالأرقام، ونماذج مالية، وخططاً براقة، ووعوداً كاذبة. يبتسم وهو يوقّع على صكوك استعباد الشعوب، ويغادر تاركاً خلفه دولةً مثقلةً بالديون، ومواطناً مسحوقاً تحت وطأة الفقر، وسلطةً مرتهنةً لا تملك من أمرها شيئاً.
هؤلاء القتلة لا يأتون فرادى، بل في وفود رسمية، تحت لافتات “المساعدة” و”الإصلاح” و”الشراكة”. يدخلون إلى الدول النامية من بوابة الحاجة، ويغرقونها في قروض ضخمة لمشاريع عملاقة، تُنفذها شركات أجنبية، بأيدٍ أجنبية، وبأرباح تعود إلى الخارج. أما الدولة، فتبقى مدينة، عاجزة عن السداد، فتُجبر على بيع أصولها، وخصخصة قطاعاتها الحيوية، وتطبيق وصفات تقشفية تُجهز على ما تبقى من كرامة المواطن.
الإكوادور، على سبيل المثال، أُغرقت في الديون مقابل مشاريع بنية تحتية ضخمة، ثم فُرضت عليها تنازلات في عقود النفط، بل وحتى قواعد عسكرية. إندونيسيا، في خضم أزمتها المالية، خضعت لوصفات صندوق النقد، فخسرت صناعاتها الوطنية لصالح الشركات متعددة الجنسيات. جامايكا، رغم مواردها، عانت من تقشف قاسٍ جعل التعليم والصحة امتيازاً لا حقاً. وزامبيا، الغنية بالنحاس، باعت مناجمها بثمن بخس بعد أن عجزت عن سداد ديونها، لتصبح ثروتها في قبضة الأجانب.
السودان، للأسف، لم يكن بعيداً عن هذا المصير. لعقود، ظل رهينة لسياسات اقتصادية مفروضة من الخارج، تُعيد إنتاج الفقر وتُعمّق التبعية. كل قرض جديد كان يعني مزيداً من النزيف، وكل خطة إصلاح كانت تعني مزيداً من الجوع. تم تفكيك القطاع العام، وبيعت مؤسسات الدولة، وتحوّل الاقتصاد إلى سوق مفتوح للنهب المنظم، تحت غطاء “التحرير الاقتصادي”.
القاتل الاقتصادي لا يقتل الأفراد، بل يقتل الحلم الوطني. لا يُسفك الدم، بل تُستنزف الموارد. لا يُحتل الوطن، بل يُدار عن بُعد، من عواصم القرار المالي العالمي. وهو أخطر من أي عدو خارجي، لأنه يتسلل من الداخل، ويُقنع الضحية بأنها شريكة في الجريمة.
إن مواجهة هذا القاتل تبدأ بالوعي. وعي الشعوب أولاً، بأن التنمية ليست أرقاماً على ورق، بل كرامة وعدالة وسيادة. وعي النخب، بأن الاستقلال لا يُقاس بالعلم والنشيد، بل بالقدرة على اتخاذ القرار دون إذن من الدائنين. وعي الحكومات، بأن بناء اقتصاد مستقل ليس خياراً، بل ضرورة وجودية.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني اقتصادي، يُعيد الاعتبار للإنتاج، ويُحرر القرار من قبضة الخارج، ويُوظف الموارد لخدمة المواطن لا لإرضاء المانحين. نحتاج إلى مراجعة شاملة لكل الاتفاقيات المجحفة، وإلى مساءلة من ورّط البلاد في ديون لا يعلم أحد كيف وأين صُرفت.
فالأوطان لا تُدار بالأرقام وحدها، بل بالإرادة، والكرامة، والسيادة. ومن لا يملك قراره الاقتصادي، لا يملك قراره السياسي، ولا يملك مستقبله.
meehad74@gmail.com
لعناية عماد عدوي وبطانته
السيد سفير جمهورية السودان بجمهورية مصر العربية…. إستبشرنا خيراً بقدومك يوماً ودعمنا…





