‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل حين يضيق الصدر بالرأي الآخر أيُّ حوار نريد؟ د. محمد فضل محمد
مقالات - يناير 1, 2026

خواطر ابن الفضل حين يضيق الصدر بالرأي الآخر أيُّ حوار نريد؟ د. محمد فضل محمد

هناك بعض الناس يضيقون بالرأي الآخر، ويرون أن خطابهم هو الصواب المطلق، وأن ما عداه خطأ لا يحتمل النقاش. هذا النمط من التفكير لا يؤسس لحوار، ولا يبني وعيًا، بل يعيد إنتاج الاستبداد في ثوبٍ جديد. والذي نريده اليوم ليس جدلًا صاخبًا، ولا صراع شعارات، وإنما تأسيس نقاش يقوم على المنطق، والواقعية، والعدالة؛ نقاش يرفض ديكتاتورية الرأي الواحد، ويبتعد عن منطق: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.

 

*مقارعة الحجة بالحجة*

 

ان النقاش الصحي لا يقوم على تخوين المخالف، ولا على مصادرة أفكاره، بل على محاججته بالحجة والدليل. فالرأي لا يُقاس بصاحبه، ولا تُبطله الأوصاف الجاهزة، وإنما يُناقَش في ذاته: هل يستند إلى وقائع؟ هل تحكمه قراءة منصفة؟ هل يراعي مصلحة الوطن والناس؟

أما تحويل الخلاف الفكري إلى معركة أخلاقية، يُقسَّم فيها الناس إلى وطني وخائن، تقدمي ورجعي، ديمقراطي وكوز، فذلك هروب من جوهر النقاش، وعجز عن إدارة الاختلاف.

 

*إشكالية التصنيف السياسي الكسول*

 

من أخطر ما أصاب النقاش العام اليوم، أن بعض النشطاء لا يرون العالم إلا من زاوية واحدة؛ إن لم تنتقد الجهة التي يريدونها فأنت مؤيد لها، وإن انتقدت من يمنحونهم صكوك العصمة أصبحت فجأة ضد الحرية والديمقراطية والسلام. هذا منطق يُفقر السياسة، ويُسطّح الوعي، ويحوّل الحوار إلى ردود فعل آلية لا تفكير فيها.

النقد حق، بل واجب، لكنه يجب أن يكون مبنيًا على بينة أو وقائع ثابتة، لا على الانطباعات ولا على الأحكام المسبقة. أما إطلاق الاتهامات بالجملة، وربط كل رأي مخالف بخطاب بعينه، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا الوطن.

 

*الوطن أولًا*

 

ان القضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بعقلية الخصومات الحزبية. فعندما تكون الدولة مهددة في وجودها، لا يستقيم الخلط بين من يدافع عنها ومن يتمرد عليها، ولا يصح تمييع المفاهيم تحت عناوين فضفاضة تُفرغها من معناها. كما لا يمكن شيطنة كل من يختلف مع خطابٍ ما، أو اتهامه بالانتماء إلى حقبة أُسقطت بثورة، وكأن التاريخ يُستدعى سلاحًا لإسكات الحاضر.

 

نحن في أمسّ الحاجة إلى الارتقاء بالحوار، لا الانحدار به، وإلى الاعتراف بأن الرأي قد يكون صوابًا يحتمل الخطأ، وأن الرأي الآخر قد يكون خطأً يحتمل الصواب. فالحوار لا يفسد بالاختلاف، لكنه يُقتل بالتخوين، ولا تُبنى الأوطان بعقلية الإقصاء، بل بثقافة العدالة، وسعة الصدر، واحترام التنوع.

وحده النقاش الذي يقوم على المنطق والإنصاف هو القادر على إخراجنا من دوائر الاستقطاب، وبناء وعيٍ وطنيٍّ ناضج، يرى الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الشعارات.

‫شاهد أيضًا‬

قدم التهنئة للمبدعين – مفضل ضيفاََ على مركز الفضاء العالمي!!

بتنسيق وترتيب من الأخوين الكريمين مختار دفع الله مدير مركز الفضاء العالمي والمشرف على المن…