وقفة ورؤية مغايرة لقصة أخوة يوسف عليه السلام عادل عسوم

كنت أنقم على اخوة يوسف للذي فعلوه به، فقد ظلموه وكادوه، ولا أنكر بأنني كنت أكرههم في البدء، لكن تكراري لقراءة سورة يوسف وتدبر آياتها أبان لي لي ذلك الكثير الذي لم اكن أتبينه، وجعلني ذلك أركن إلى رؤية مغايرة لفهم هذه القصة الموحية.
لقد ذكر القرطبي بأن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرًا؛ لأن الأنبياء لا يدبِّرون قتل مسلم، بل كانوا مسلمين فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبّأهم الله، وهذا أشبه.
إنتهى قول القرطبي.
وأقول:
لا جدال بأن إخوة يوسف كادوا له، والكيد معهود في بني آدم منذ أزلهم، ولاغرو أن الكيد إن تاب عنه فاعله وسعى لكسب رضى من كاده فإنه أقرب لعفو الله ورضوانه، والكيد لم ينأ عنه -حتى- بعض صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اجمعين، ومن ذلك ما فعله الصحابي الجليل حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما حدثته نفسه بالكيد، فأرسل رسالة مع امرأة إلى مشركي مكة يحدثهم فيها عن عزم النبي صلى الله عليه وسلم للتحرك بجيش المسلمين لفتح مكة، بغية أن يكون ذلك مدعاة لأن لاينال أهل مكة ممن بقي فيها من أهله وماله بعد هجرته إلى المدينة، وكذلك حدث الكيد من صحابة اجلاء خلال موقعة الجمل ومنهم الصحابي الجليل طلحة رضي الله عنه، وقد دخل عمران بن طلحة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله فيهم: {…ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}، فقال رجلان جالسان على ناحية البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس، وتكونون إخوانا؟ فقال علي رضي الله عنه: قوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هو إن لم أكن أنا وطلحة.
انتهى.
لقد كان كيد اخوة يوسف ليوسف وأخيه بسبب (وَهَمٍ) أصابهم بأن يوسف وأخيه أثيران لدى أبيهم يعقوب عليه وعليهما السلام:
{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
فما كان منهم إلا أن خططوا للتخلص من يوسف عليه السلام وهو اليافع حينها (قيل كان عمره 8 سنوات، وقيل 14 عاما).
وقد اختلفوا في كيفية التخلص من يوسف فتعددت الآراء في ذلك:
1ـ قتل يوسف.
2 ـ طرحه ارضاً.
3 ـ إلقاؤه في غيابة الجب.
قال الحق جل في علاه على لسانهم:
{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}.
وقد رد كبيرهم:
{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ}.
وهنا يتبين جليا أن القتل لم يكن بنية القتل العمد، إنما كان المقصد إبعاد يوسف ليخلو لهم وجه أبيهم، والتركيب اللغوي في الآية يُعبّرُ جلياً عن ذلك من خلال الجُمَل القصيرة المتلاحقة:
{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}.
فسوء الطوية لم يكن أصيلا في قلوبهم ووجدانهم، وقد كان جلهم دون العشرين إلا كبيرهم كما ذكرت بعض الأقوال، وعلى الرغم من ذلك كانت نفوسهم (لوامة) ومعترفة بالذنب، يظهر ذلك جليا في قول كبيرهم عندما يئسوا من تخليص أخيهم وشقيق يوسف (بنيامين) وقد التزموا لأبيهم من قبل برده إليه وعاهدوه على ذلك فامتنع عليهم، فقال لهم كبيرهم هذا:
{ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من اللّه} لنردنه إليه؟ ثم أخد على نفسه عهدا وقال {فلن أبرح الأرض} أي لن أفارق هذه البلدة {حتى يأذن لي أبي} في الرجوع إليه راضياً عني {أو يحكم اللّه لي} بأن يمكنني من استرداد أخي {وهو خير الحاكمين}.
ولنأت إلى أمر من الأهمية بمكان:
إن يوسف عليه السلام لم يلق فى (بئر)، بل وضعه اخوته في غيابة (جُب)، فماهو الجب؟
الجُبُّ حفرة موجودة بشكل طبيعي في الكلأ لم يحفرها الناس ولم تعمّر بالحجارة كما هو الحال مع الآبار، وإخوة يوسف كانوا يريدون التخلص منه في أي حفرة أمامهم في الأرض وقد كانوا في الصحراء يتسابقون.
قال الله تعالى:
{لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ}
وقال تعالى:
{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ}
أي أنهم وضعوه في حفرة ليست بالغة العميق في الأرض تتجمع فيها مياه المطر، يؤكد ذلك توصيف قرآني لافت وهو كلمة (غيابة الجُب)، والغيابة: كل شيء غيب شيئا فهو “غيابة”، أي أنه موضع غير مرئي داخل حفرة الجُب أعلى من مستوى الماء وأسفل من فوهته، مكانٌ يختفي فيه من وُضع فلا يراه من يمر فوق الأرض، ولا يصل إليه إلا من ينزل ليستقي الماء أو يدلي دلوا، ولو قال القرآن: ألقوه في الجُب، لاحتمل الغرق والهلاك ولتبين المرء فظاظتهم وسوء طويتهم، لكن التعبير جاء (في غيابة الجُب)، ثم لم يقل التعبير القرآني بأنهم ألقوه -عند التنفيذ- بل قال (جعلوه) أي وضعوه بحذر وبدون أذى، وضعوه في موضعٍ محفوظ ليتحقق حسبانهم وتخطيطهم الذي نأوا فيه بأنفسهم عن قتل أو موت أخيهم، لذلك قالوا:
{يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ}
اي لا يلتقطه مارٌّ عابر
بل قافلة تنزل لتستقي
فتراه في غيابة الجُب حيث وضعوه، وقد ورد في قول أنهم ظلوا يرصدونه عن بعد إلى أن جاء السيارة وأخذوه.
ومن قبل ذلك علينا أن ننتبه إلى الوصف الذي رأى فيه يوسف عليه السلام أخوته هؤلاء في ثنايا رؤياه القَبْلِيّة:
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}.
ياترى لماذا رآهم (كواكب) بمعية أبويه القمرين إن لم يكن فيهم خير؟!
لعمري إن الذي يُرَى أو يوصف بالكوكب فإنه فيه الخير ومحمود، أليس ذلك يشهد لهم لا عليهم؟!
ثم لنسأل أنفسنا ماذا كان نتيجة كيد إخوة يوسف له؟
لقد أصبح وزيرا للمالية ونائباً عن الملك!
ثم أصبح السبب والمعين بعد الله في إخراج أهله جميعا من ضيق الفقر وإِحَنِ المسغبة إلى سوح النعمة وفضاءات الهناء…
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
هنا ينبغي لنا أن نقف وقفة:
لنعلم يقينا أن كل صغيرة وكبيرة تعتري حراك حياتنا مقدرة، وكل كيد تصيبنا سهامه يكون مآله خيرٌ لنا ومحمدة -طالما لم نكن قد ظلمنا أحدا أو اقترفنا جرما، أو كنا سببا لأذى-، والمصاب مهما كان ظاهره كره فإن الله قال في محكم تنزيله {عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}!
أختم وأقول بأن الله جل في علاه حينما أراد ليوسف الخروج من الجب أرسل إليه من يخرجه وجعلهم فيه من الزاهدين، وكذلك عندما دخل السجن أرسل الله رؤيا منامية تسللت -بليل- إلى رأس ووجدان الملك لتكون سببا في خروجه من السجن، ليس مطلق السراح فقط، بل وزير للملك، ومسؤل عن خزائن الأرض!
علينا أن لاننقم من إخوة يوسف وهم (الكواكب) كما رآهم نبي الله يوسف عليه السلام، وقياسا على ذلك علينا أن لاندعو على كل من كادنا، فلعل الله أتى به لمآل حميد يريده لنا وهو الرحمن الرحيم.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وآله عدد ماسبح لك من حي وجماد.
آمنت بالله.
حمقى ولصوص لجنة التفكيك (٤—٧)٠٠ البلاغ الثالث : نهب المجرم وجدي صالح لشركات قطاع الدواجن..
ضمن مقالاتنا المتتالية توثيقًا لجرائم لجنة التفكيك الفاسدة كنا قد بدأنا بمقالين سابقين عن …





