جسدكِ ملاذكِ: حركات بسيطة لترميم الروح
أجيال النيل د. سهام موسى

إليكِ هذا المقال المخصص لكنّ، يا زهرات السودان في مصر:
أهلاً بكِ يا ابنتي.. بصفتى دكتورة في علم النفس وباحثة قضت سنوات في دراسة أثر الصدمات والنزوح على الاستقرار النفسي، أكتب لكِ هذه الكلمات ليس فقط من منظور أكاديمي، بل من قلب يدرك تماماً حجم الثقل الذي تحملينه في غربتك القسرية.
تمرّ الشابة السودانية اليوم بظروف استثنائية؛ فقد تركتِ خلفكِ بيتاً، وذكريات، وربما أحلاماً مؤجلة بسبب الحرب. هذا الحمل لا يستقر في عقلكِ فحسب، بل يختار “جسدكِ” مخزناً له. هل شعرتِ مؤخراً بثقل في كتفيكِ؟ بصداع لا يغادر؟ أو بخمول يجعلكِ عاجزة عن النهوض رغم أنكِ لم تبذلي مجهوداً شاقاً؟
هذا ما نسميه في علم النفس “تجسيد الصدمة”. جسدكِ يحاول التحدث نيابة عن صمتك. والخبر السار الذي أحمله لكِ اليوم هو أن مفتاح التحرر من هذا الحصار النفسي ليس بالضرورة في جلسات علاج معقدة أو نوادٍ رياضية مكلفة، بل في “فلسفة الحركة البسيطة”.
كباحثة، أؤكد لكِ أن الضغط النفسي يرفع هرمون الكورتيزول في دمك، مما يجعلكِ في حالة “تأهب” دائمة. التمارين البسيطة التي اقترحها عليكِ هي بمثابة رسائل طمأنة ترسلينها من عضلاتك إلى جهازك العصبي لتخبريه: “نحن بأمان الآن، يمكنك الاسترخاء”.
وصفة التعافي تكن عبر خطوات يسيرة، ومنها المشي.. استعادة المسار، فالمشي في شوارع مصر أو حدائقها ليس مجرد رياضة. استغلي ضوء الشمس لتحسين “فيتامين د” والمزاج. المشي يعيد ترتيب الأفكار المشتتة ويقلل من حدة القلق المرتبط بالمستقبل المجهول، بالاضافة الى تمارين التمدد (Stretching)، التوتر يتجمع في الرقبة وأسفل الظهر. عندما تقومين بشد عضلاتك بلطف، أنتِ تفكين “عُقد” القلق الجسدية. هي لحظة امتنان لجسدك الذي صمد معكِ في رحلة النزوح.
سحر التنفس مع الحركة، ارفعي ذراعيكِ مع شهيق عميق، وانزليهما مع زفير بطيء. هذه الحركة البسيطة هي “فرملة” طبيعية لنوبات الهلع والتوتر. هي تمنحكِ شعوراً بالسيطرة على ذاتك في عالم يبدو خارج السيطرة، و رياضة اليوجا والتاي تشي (التأمل المتحرك)، حيث لا تحتاجي لمعدات؛ حتى وأنتِ جالسة على كرسيكِ، تدوير الكتفين أو الانحناء الخفيف يفرغ شحنات الغضب المكتوم. هذه التمارين تعلمكِ “الحضور” في اللحظة الحالية، بعيداً عن ألم الماضي وخوف الغد، ثم عشقنا الرقص.. لغتنا الأولى لكل بنت سودانية، الرقص في غرفتكِ على أنغام تحبينها ليس ترفاً، بل هو “تفريغ انفعالي” ضروري. الرقص يكسر جمود الحزن ويحول الطاقة السلبية إلى حيوية وانطلاق.
يا ابنتي، الصحة النفسية تبدأ من أصغر التفاصيل. لا تنتظري حتى تنتهي الحرب لتهتمي بنفسك، فجسدكِ هو بيتكِ الحقيقي الذي تسكنين فيه أينما حللتِ. كوني لطيفة مع نفسك، وابدئي بخمس دقائق من الحركة اليومية، فهي كفيلة بفتح نوافذ الأمل في روحك من جديد.
دكتورة سهام موسى
باحثة ودكتوراه في علم النفس
السودان الآن: قراءة تحليلية معمّقة في قلب الأزمة
ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو حرب تقليدية بين طرفين، بل هو انهيار مركّب لل…





