‫الرئيسية‬ مقالات بين السيادة والإنسانية: قراءة موضوعية في أوضاع السودانيين بليبيا
مقالات - ‫‫‫‏‫46 دقيقة مضت‬

بين السيادة والإنسانية: قراءة موضوعية في أوضاع السودانيين بليبيا

مقاربات د. مريم رضوان

تعد قضايا تنظيم الوجود الأجنبي ومكافحة الهجرة غير الشرعية، من الملفات السيادية التي تحرص الدول على إدارتها، بما يحفظ أمنها وإستقرارها ويصون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن الإجراءات التي تتخذها الدولة الليبية لتنظيم أوضاع الأجانب على أراضيها، تمثل حقا سياديا مشروعا تكفله القوانين الوطنية والأعراف الدولية. وهو حق يستوجب الإحترام والالتزام، من جميع المقيمين داخل ليبيا .وفي هذا الإطار، أصدرت الحكومة الليبية بتاريخ 4/11/2025 القرار رقم (233) لسنة 2025. الذي منح السودانيين المتأثرين بالحرب فرصة إستثنائية، لتوفيق أوضاعهم القانونية، من خلال إعفائهم من شرط ختم الدخول لمدة ستة أشهر. بما يمكنهم من إستكمال إجراءات الإقامة والعمل، وفق الأطر القانونية المعتمدة. ويستهدف القرار بصورة خاصة، أصحاب المؤهلات العلمية والفنية والعاملين، بعقود في القطاعين العام والخاص، وهو ما يعكس توجها يجمع بين مقتضيات السيادة، ومتطلبات البعد الإنساني، الذي فرضته الأزمة السودانية.

وبتاريخ 3 يونيو 2026 أكدت الحكومة الليبية، عبر البيان رقم (8) لسنة 2026، التزامها بتطبيق التشريعات المنظمة للوجود الأجنبي. ومكافحة الهجرة غير الشرعية والتوطين، مع التأكيد في الوقت نفسه .على أن أوضاع النازحين السودانيين، تعالج وفق إجراءات قانونية خاصة تراعي الظروف الإستثنائية، التي فرضتها الحرب في السودان.

وفي سياقٍ متصل، أكدت سفارة جمهورية السودان بطرابلس بتاريخ 7 يونيو 2026، أن الوجود السوداني في ليبيا، هو أحد التداعيات المباشرة للحرب الدائرة في السودان. وأن غالبية السودانيين الذين قدموا إلى ليبيا، لم يغادروا وطنهم بحثا عن توطين أو إمتيازات، أو فرص بديلة. وإنما دفعتهم ظروف الأزمة والنزوح القسري، إلى البحث عن الأمان والإستقرار. كما جددت السفارة التأكيد على أن العودة إلى السودان، تظل الخيار الأول للسودانيين متى ما توفرت الظروف التي تمكنهم من العودة، والإستقرار بصورة آمنة وكريمة.

ومن العدالة الإقرار بأن ليبيا دولة وشعبا منذ إندلاع الحرب في السودان، إستقبلت أعدادا كبيرة من السودانيين، وقدمت لهم تسهيلات أسهمت في تخفيف آثار الأحداث التي أدت للنزوح. ومكنت الكثيرين من الإستقرار، وتوفيق أوضاعهم القانونية.

وفي الوقت ذاته، فإن الحديث عن حقوق السودانيين في ليبيا، ينبغي أن ينظر إليه في إطار متوازن، فبينهم من إستقر في ليبيا منذ سنوات طويلة قبل الحرب. وبينهم من إضطرته ظروف الأوضاع الراهنة في السودان إلى النزوح إليها. وبقدر ما يتمتع المقيمون والنازحون، بالحقوق التي يكفلها القانون والإجراءات التي تراعي ظروفهم الإنسانية، فإن عليهم كذلك وأجب الإلتزام بالقوانين والأنظمة السارية واحترام المجتمع المضيف، بما يسهم في تعزيز العلاقات الأخوية بين الشعبين، وصون الإستقرار المجتمعي.. فإحترام سيادة الدولة ومؤسساتها وقوانينها، يمثل أساس الإستقرار، كما أنه حجر الزاوية في العلاقة بين المجتمع المضيف والجاليات المقيمة.

كما أن إحترام المجتمع الليبي يشمل إحترام عاداته وتقاليده، وقيمه الإجتماعية والمحافظة على النظام العام، والسلوك المسؤول. والتصرفات الفردية قد تنعكس على صورة مجتمع كامل، مهما كان عدد مرتكبيها محدودا.

وللأسف، فقد شهدت الفترة الماضية بعض الممارسات الفردية التي لا تعبر عن القيم المعروفة عن السودانيين، وأسهمت في تكوين انطباعات سلبية، لا تمثل الأغلبية الملتزمة والمحترمة. ومن الحكمة الإعتراف بوجود مثل هذه السلوكيات والعمل على معالجتها، بدلا من إنكارها أو التقليل من آثارها، لأن المحافظة على السمعة الطيبة للجالية مسؤولية تضامنية جماعية.

وفي المقابل، فإن القراءة المتوازنة للمشهد، تقتضي عدم تعميم بعض التصرفات المعزولة ، التي تعرض لها عدد من السودانيين خلال الفترة الماضية. إذ لا تمثل هذه التصرفات الشعب الليبي ولا تعبر عن مواقفه تجاه السودانيين، فالعلاقات بين الشعبين تستند إلى تاريخ طويل من الأخوة، والتداخل الإجتماعي والتعاون الإنساني، وقد تجلت هذه الروابط في حجم الدعم والمساندة، التي وجدها السودانيون من أشقائهم الليبيين. ومن ثم فإن أي تجاوزات فردية التي مست الكرامة الإنسانية ، مهما كانت مؤسفة، تبقى حالات معزولة لا ينبغي أن تحجب الصورة الأشمل لهذه العلاقة المتينة. كما أن معالجة أي تجاوزات يجب أن تتم عبر القانون والمؤسسات المختصة، بعيدا عن التعميم أو تأجيج المشاعر، أو تحميل المجتمعات مسؤولية أخطاء الأفراد.

شهدت منصات التواصل الإجتماعي خلال الفترة الماضية، سجالا واسعا حول أوضاع السودانيين في ليبيا، إلا أن جانبا من هذا السجال من الطرفين. إتسم بردود الفعل والإنفعالات أكثر من إستناده إلى الحقائق والمعطيات الكاملة، الأمر الذي أسهم في تداول تفسيرات غير دقيقة، وأحكام متسرعة لا تعكس تعقيدات الملف وأبعاده القانونية والإنسانية..

وتبرز في هذه المرحلة أهمية الدور الذي تضطلع به السفارة والقنصلية السودانيتان في ليبيا، من خلال تكثيف التواصل مع أبناء الجالية، ونشر الوعي القانوني وتوضيح المستجدات المرتبطة بالإجراءات الرسمية. ومتابعة أوضاع المواطنين لدى الجهات المختصة. كما أن تعزيز التنسيق المؤسسي بشأن الموقوفين أو المحتجزين، يظل أمرا مهما لضمان تقديم الدعم اللازم، وفق القوانين والإجراءات المعمول بها.

كما أن مراعاة الجوانب الإنسانية في التعامل مع الحالات المرتبطة بالمخالفات أو التوقيفات تسهم في تعزيز الثقة والتفاهم، وتحقق التوازن بين تطبيق القانون وصون الكرامة الإنسانية، وهو ما يعزز العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين.

إن العلاقات السودانية الليبية ليست وليدة الظروف الراهنة، وإنما هي إمتداد لعقود طويلة من التداخل الإجتماعي، والإنساني والمهني والثقافي. وقد ظلت هذه العلاقات نموذجا للتعاون، بين شعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.

حق الدولة الليبية في تطبيق قوانينها، وتنظيم الوجود الأجنبي على أراضيها، حق سيادي مشروع لا يقبل الجدل. كما أن إحترام هذه القوانين والإلتزام بها يمثل واجبا على كل السودانيين .يبقى الأمل قائما في أن يستعيد السودان أمنه وإستقراره، وأن تتوفر الظروف التي تمكن العودة إلى الوطن ، بصورة آمنة ومنظمة وكريمة. مع بقاء مشاعر التقدير والإحترام لليبيا وشعبها الكريم، وترسيخ قيم الإحترام المتبادل وسيادة القانون التي تحفظ كرامة الجميع، وتصون العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين.

‫شاهد أيضًا‬

هيومن رايتس ووتش: الإمارات متورطة في تجنيد ونقل مرتزقة كولومبيين للقتال مع المليشيا المتمردة

كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش عن ما وصفته بأدلة جديدة تؤكد تورط دولة الإمارات في دعم قوات ال…