اتركوا الشباب يعمل
محجوب أبوالقاسم

في بلاد أنهكتها الحرب وأرهقها الانتظار يصبح النجاح تهمة والتميز مدعاة للاستهداف، تابعت قبل أيام حملة شرسة استهدفت مدير شركة زادنا الشاب الدكتور طه حسين على خلفية أغنية أدتها إحدى الفنانات تشيد بتجربة الشباب فجأة تحولت كلمات عابرة إلى معركة، وسارع الشاب إلى إصدار بيان وضح فيه أن لا علاقة له بالأمر.
لا أعرف الدكتور طه معرفة شخصية ولم تجمعني به سابق صلة لكنني كغيري أتابع ما ينشر عن تجربة شركة زادنا العالمية وما حققته من توسع واستقرار في الأداء خلال السنوات الماضية امتدادا لنجاحات سابقة رسخت اسمها في القطاعات التي تعمل فيها بالاخص الزراعي والإنتاجي،
إن أكثر ما لفت انتباهي لم يكن بيان النفي بل الإشادة الرسمية التي تلقاها الرجل من عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر خلال زيارته لإحدى مؤسسات الشركة والإشادة حين تصدر من مسؤول سيادي وفي سياق عمل ميداني لا تمنح مجاملة بل تكون شهادة أداء.
وعندما تأتي الشهادة من موقع مسؤولية عليا فهي في الغالب قراءة في نتائج لا في شعارات،حينها تيقنت أن القضية ليست أغنية بل نجاح ففي بلادنا للأسف الناجح هو الأكثر عرضة للنيران الصديقة ولحملات التشكيك ولهمسات المؤامرة،أما الفاشل فيمضي بصمت لا يلاحقه نقد ولا يطارده جدل كأننا بغير قصد نعاقب المجتهد ونكافئ المتراخي.
نحن على أعتاب مرحلة مفصلية بعد انتهاء
معركة الكرامةمرحلة تتطلب عقلا جديدا وروحا مختلفة لن ينهض السودان بذات الأدوات التي عجزت عن حمايته من الانهيار.
نحتاج إلى دماء شابة تتقدم الصفوف لا لتقصي الكبار بل لتكمل المسيرة بعقلية معاصرة وإدارة حديثة وجرأة في القرار.
أعجبتني على سبيل المثال تجربة الشاب محمد طاهر عمر في قطاع التعدين حيث طرحت أفكار جديدة لإعادة تنظيم القطاع وتعظيم عوائده،كما لا يمكن إغفال تجربة الوزير غندور في ملف الاتصالات والتحول الرقمي حين فتحت النوافذ أمام تحديث البنية التقنية وربط المؤسسات بمنظومات عصرية.
لسنا بحاجة إلى شعارات تمكين الشباب بقدر حاجتنا إلى قرارات شجاعة تضعهم في مواقع صناعة القرار وزراء، ووكلاء، ومديري مؤسسات عامة، فالعالم من حولنا يتغير بسرعة ومن لا يتجدد يتبدد
لكن وفي الوقت نفسه لا يعني صعود الشباب إقصاء الخبرات فالحكمة تقتضي أن تكون الخبرات في مجالس الإدارة والاستشارات موجهة ومرشدة تضع خلاصة التجارب أمام جيل التنفيذ، المعادلة الناجحة ليست صراع أجيال بل تكامل أدوار.
إن استهداف أي تجربة ناجحة برسائل مبطنة أو حملات منظمة لا يخدم إلا أعداء النجاح. النقد الموضوعي حق بل ضرورة لكن التحطيم لمجرد التحطيم جريمة في حق الوطن حين نكسر مجاديف الناجحين فنحن نغرق السفينة بأيدينا.
الرسالة اليوم في بريد الرئيس البرهان وفي بريد رئيس الوزراء د. كامل ادريس المرحلة القادمة تحتاج إلى ثقة حقيقية في الشباب لا إلى وضعهم في الواجهة شكليا ثم تركهم وحدهم في مهب العواصف.
القرار بأيديكم والتاريخ لا يرحم المترددين، اتركوا الشباب يعمل
افتحوا لهم الأبواب لا تحاصروهم بالشبهات
ادعموهم بالخبرة، لا تحاصروهم بالغيرة
فالسودان الذي نحلم به لن يبنى إلا بسواعد أبنائه حين نمنحهم الفرصة ونحمي نجاحهم ونؤمن أن المستقبل لا ينتظر المتخوفين.
ولنا عودة.
من لم يخرج من رمضان سليم القلب والصدر فقد خسر خسرانا مبينا
يقول الأكفانيُّ رحمه الله: (أقصر طرق الجنَّة سَلَامة الصَّدر). وقيل لرسولِ الله صلى الله ع…





