‫الرئيسية‬ مقالات أجنحة الأمل: حينما ينتصر التكاتف على الاغتراب
مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

أجنحة الأمل: حينما ينتصر التكاتف على الاغتراب

شيء للوطن م.صلاح غريبة

Ghariba2013@gmail.com

في اللحظات الفارقة من تاريخ الشعوب، لا تُقاس الثروات بالأرصدة البنكية، بل بمقدار ما تضمد به جراح الوطن. وما شهدته القاهرة مؤخراً في حضرة “لجنة الأمل للعودة الطوعية” لم يكن مجرد مأدبة إفطار رمضانية، بل كان “ملحمة تكافل” حقيقية، أثبت فيها المعدن السوداني الأصيل أنه عصيٌّ على الانكسار، وأن حلم العودة إلى الديار أقوى من ضجيج الحرب.

إن الإعلان عن تبرع رجال أعمال سودانيين بثلاث طائرات كاملة لنقل العالقين والراغبين في العودة، يمثل قفزة نوعية في العمل المدني الإنساني. فهذه الخطوة التي قادها السيد عصام الشيخ، وشاركه فيها السيد أحمد المحقق والسيد يوسف محمد يوسف، ليست مجرد دعم لوجستي، بل هي رسالة سياسية ومعنوية بليغة: “السودان لم يسقط، ومحاولات تفريغه من إنسانه لن تنجح”.

ما يميز مبادرة “لجنة الأمل” برئاسة المهندس محمد وداعة، أنها لم تكتفِ بدور “الناقل”، بل رسمت خارطة طريق متكاملة تبدأ من تأمين الرحلة وتنتهي باستدامة العيش. الرؤية هنا تتجاوز العاطفة إلى التخطيط المؤسسي عبر الكرامة الإنسانية بالتأكيد على أن العودة خيار طوعي نابع من إرادة حرة، بعيداً عن أي ضغوط، والواقعية القانونية والسعي لمعالجة أوضاع النزلاء وأصحاب المشكلات القانونية، وتوفير مظلة حماية للطلاب الممتحنين، وبناء المستقبل مع طرح مشروعات إنتاجية صغيرة وتمويلات مصرفية للعائدين، لتحويل “اللاجئ” إلى “منتج” في وطنه من جديد.

لا يمكن قراءة هذا الحراك الإنساني بمعزل عن الموقف المصري. إن الشكر الذي وجهته اللجنة للقيادة المصرية وللرئيس عبد الفتاح السيسي يعكس واقعاً معاشاً؛ فمصر لم تكن مجرد “دولة استضافة”، بل كانت الحضن الذي احتوى السودانيين في أزمتهم، ويتحدثون: “كنا عند اهلنا” وهذا التنسيق العالي بين “لجنة الأمل” والجهات المصرية يجسد أسمى معاني التكامل بين ضفتي النيل، ويفتح الباب أمام ترتيبات إجرائية تضمن انسياب “جسر العودة” بكل سلاسة وأمان.

إن نجاح هذه المبادرة يضع بقية رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين أمام مسؤوليتهم التاريخية. فإذا كانت الطائرات الثلاث قد شقت عباب السماء بالأمل، فإن استكمال هذا الجسر يحتاج إلى تظافر الجهود لضمان أن تكون “العودة” بداية لنهضة وطنية شاملة، لا مجرد انتقال جغرافي.

ختاماً، إن “جسر الأمل” الجوي هو إعلان صريح بأن إرادة البناء أقوى من آثار الدمار. السودانيون اليوم في القاهرة يضربون مثلاً للعالم في أن الشعوب الحية هي التي تصنع أقدارها بيديها، وأن العودة إلى الوطن ليست مجرد تذكرة سفر، بل هي عهدٌ جديد على إعادة إعمار ما دمرته الظروف، بروح لا تعرف المستحيل.

‫شاهد أيضًا‬

من لم يخرج من رمضان سليم القلب والصدر فقد خسر خسرانا مبينا

يقول الأكفانيُّ رحمه الله: (أقصر طرق الجنَّة سَلَامة الصَّدر). وقيل لرسولِ الله صلى الله ع…