“من الفاشر إلى الطينة… سقوط آخر ادعاء أخلاقي لمليشيا الفوضى”
إتجاه البوصلة بقلم / الجزولي هاشم

في مسار الحروب لا تُقاس اللحظات بعدد المعارك، بل بلحظة انكشاف الحقيقة الأخلاقية للطرف الذي اختار طريق السلاح. تلك اللحظة بدأت من الفاشر، المدينة التي صمدت أمام الحصار والترهيب، وامتدت حتى مستريحة والطينة، حيث لم يعد ممكناً إخفاء الوجه الحقيقي لمشروع المليشيا بعد دخولها المناطق الآمنة وتنكيلها بالمواطنين الأبرياء والعزل.
لم يكن ما حدث مجرد تحرك عسكري، بل سقوط مدوٍّ لآخر ادعاء أخلاقي حاولت المليشيا الاحتماء به. فحين تتحول البنادق من مواجهة الجيوش إلى مطاردة المدنيين، وحين تصبح القرى هدفاً للحرق والنهب، والنساء والأطفال ضحايا للرعب المنظم، فإن الحرب تخرج من إطار الصراع العسكري إلى جريمة أخلاقية كاملة الأركان.
دارفور لم تشهد فقط مواجهة ميدانية، بل شهدت انكشاف مشروع قائم على إخضاع المجتمع بالخوف. دخول المليشيا إلى القرى والأسواق والمناطق السكنية لم يكن بحثاً عن نصر عسكري، بل ممارسة انتقامية ضد مجتمع أعزل رفض الانصياع للفوضى. وهنا سقط القناع الأخير؛ فلا قضية تُرفع فوق دم الأبرياء، ولا خطاب سياسي يصمد أمام صرخات المدنيين.
إن ما جرى في الفاشر ومستريحة والطينة يمثل لحظة فارقة: لحظة انتقال المليشيا من ادعاء التمثيل السياسي إلى واقع العصابة المسلحة التي فقدت أي سند أخلاقي أو وطني. فالدم الذي سال، والممتلكات التي دُمّرت، والكرامة التي انتُهكت، كلها أصبحت شهادة تاريخية تدين مشروعاً حمل السلاح ضد الشعب نفسه.
الأخطر أن هذه الانتهاكات لم تعد أحداثاً معزولة، بل سلوكاً ممنهجاً يكشف طبيعة مشروع يقوم على الفوضى لا الدولة، وعلى الترويع لا السياسة، وعلى نهب المجتمع لا حمايته. ولذلك فإن سقوطها الأخلاقي سبق سقوطها الميداني، لأن أي قوة تفقد شرعيتها الإنسانية تبدأ فعلياً لحظة نهايتها.
الفاشر كانت بداية الانكسار النفسي للمليشيا، وهناك تحطمت أسطورة القوة القائمة على الإرهاب الاجتماعي. ومن تلك اللحظة بدأ التراجع المتسارع حتى الطينة، حيث اتضح أن المشروع بلا حاضنة شعبية، بلا أخلاق حرب، وبلا مستقبل في وجدان السودانيين.
ما يجري اليوم ليس مجرد تقدم عسكري، بل استعادة لمعنى الدولة نفسها. فالشعب الذي صمد أمام الترهيب أثبت أن السودان لا يُحكم بالخوف، وأن النسيج الوطني أقوى من كل محاولات التفكيك. لقد اختار السودانيون الوطن، بينما اختارت المليشيا مواجهة التاريخ بملف ثقيل من الدم والانتهاكات.
دارفور ستعود إلى حضن السودان لا فقط بانتهاء المعركة، بل بانتهاء وهم الفوضى ذاته. وما بين الفاشر والطينة تتشكل معالم مرحلة جديدة عنوانها الأمن، وإعادة البناء، واسترداد الدولة لهيبتها على قاعدة صبر استراتيجي وثقة راسخة بين الشعب وقواته المسلحة.
إنها لحظة وضوح كامل:
سقطت القوة حين سقطت الأخلاق.
وسقط الادعاء حين واجه الحقيقة.
ويمضي السودان…
جريحاً نعم، لكنه أكثر يقيناً بأن الوطن الذي دفع ثمن بقائه من دم أبنائه لن تُهزمه مليشيا فقدت آخر ما تملكه الأمم: الشرعية الأخلاقية.
اتحاد شباب العرب يقدم واجب العزاء للجالية اليمنية بالقاهرة
قدم اتحاد شباب العرب للإبداع والابتكار بمجلس الوحدة الاقتصادية بجامعة الدول العربية واجب ا…





