‫الرئيسية‬ مقالات قراءة سياسية واستراتيجية في المشهد السوداني الراهن
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

قراءة سياسية واستراتيجية في المشهد السوداني الراهن

حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمر السودان بمرحلة مفصلية تُعيد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع معًا، في ظل حرب طاحنة وتحديات سياسية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة. المشهد الراهن لا يمكن قراءته بمعزل عن تراكمات السنوات الماضية، ولا عن الصراع على السلطة بين المؤسسة العسكرية ممثلة في عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، وهو صراع تجاوز الإطار العسكري ليأخذ أبعادًا إقليمية ودولية معقدة.

أولًا: البعد العسكري والأمني

الحرب الدائرة ليست مجرد مواجهة ميدانية، بل صراع على شرعية الدولة واحتكار القوة. استمرار العمليات العسكرية يعني استنزافًا لمقدرات البلاد، وتفككًا في البنية الأمنية، وتهديدًا مباشرًا لوحدة التراب الوطني. كما أن تعدد مراكز السلاح خارج إطار الدولة يعمّق الأزمة ويصعّب أي عملية انتقال سياسي مستقبلي.

ثانيًا: البعد السياسي

المشهد السياسي يعاني من انقسام حاد بين قوى مدنية متباينة الرؤى، وقوى تقليدية تحاول إعادة تموضعها. غياب مشروع وطني جامع أضعف الجبهة الداخلية، وجعل التدخلات الخارجية أكثر تأثيرًا. إن أي حل سياسي مستدام يجب أن يقوم على قاعدة عريضة من التوافق الوطني، لا الإقصاء أو الغلبة.

ثالثًا: البعد الإقليمي والدولي

السودان ليس جزيرة معزولة؛ موقعه الجيوسياسي يجعله محور اهتمام إقليمي ودولي. تقاطع المصالح بين دول الجوار والقوى الكبرى انعكس بشكل مباشر على مسار الصراع. بعض الأطراف تسعى لتحقيق نفوذ استراتيجي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مما يعقّد المشهد ويطيل أمد الأزمة.

رابعًا: البعد الاجتماعي والإنساني

الحرب أفرزت موجات نزوح غير مسبوقة، وانهيارًا في الخدمات الأساسية، وتصدعًا في النسيج الاجتماعي. الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الدمار المادي، بل في تعميق خطاب الكراهية والجهوية، وهو ما يهدد فكرة الدولة الوطنية نفسها.

خامسًا: السيناريوهات المحتملة

استمرار الحرب: وهو السيناريو الأسوأ، ويعني مزيدًا من الانهيار الاقتصادي والإنساني.

حسم عسكري لطرف دون آخر: قد يفرض واقعًا جديدًا، لكنه لن يحقق استقرارًا دائمًا دون تسوية سياسية شاملة.

تسوية سياسية برعاية إقليمية/دولية: تظل الخيار الأقل كلفة، إذا توفرت إرادة وطنية صادقة.

الخلاصة الاستراتيجية

السودان اليوم في مفترق طرق تاريخي. إما أن ينتصر منطق الدولة والمؤسسات، أو يستمر منطق السلاح والتشظي. المطلوب رؤية وطنية تتجاوز المصالح الضيقة، وتؤسس لمرحلة انتقالية حقيقية تُعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة وسيادة القانون.

إن إنقاذ السودان مسؤولية جماعية، تبدأ بوقف الحرب، وتمر بحوار شامل لا يُقصي أحدًا، وتنتهي ببناء دولة تسع الجميع.

والسودان… رغم الجراح… ما زال قادرًا على النهوض.

إ

الثلاثاء٣مارس٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

رمضان النزوح: كيف نرمم أرواح صغارنا؟

بين ليلة وضحاها، انتقل الطفل السوداني من دفء “الحوش” وجلسات “البرش”…