‫الرئيسية‬ مقالات التحليل الإستراتيجي لصمود الجيش السوداني في مواجهة حرب الوكالة
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

التحليل الإستراتيجي لصمود الجيش السوداني في مواجهة حرب الوكالة

الشاذلي حامد المادح

لم تكن حرب 15 أبريل 2023م في السودان مجرد تمرد داخلي تقليدي بل هي نموذج متطور لما يُعرف بـ “الحروب الهجينة” . هي حرب خاضها الجيش السوداني ضد مخطط دولي و إقليمي عابر للحدود استخدمت فيه مليشيا الدعم السريع كأداة تنفيذية محلية مسنودة بإمداد لوجستي و عسكري من 17 دولة (سواء بالمشاركة المباشرة أو التمويل أو فتح الأراضي و المطارات) . يكمن تفرد الحالة السودانية في قدرة جيش وطني على القتال لسنوات في جبهة عريضة و مواجهة مقاتلين عابرين للحدود مع إستمرار القدرة على إستعادة المبادرة و تطهير المدن الكبرى و الولايات و يمكن أن نقرأ ذلك إجمالا من خلال الأتي :

 

*أولاً :* صمود “الرأس” .. مركزية القيادة من داخل الحصار و صمود “مركز الثقل” أحد أهم عوامل فشل المخطط الدولي . ذلك أن سقوط القيادة العامة أو أسر رئيس الدولة و هيئة الأركان يؤدي إلى انهيار فوري للروح المعنوية و سقوط الدولة :

* التواجد في خط النار : خلافاً لزعماء فروا عند أول طلقة (مثل أشرف غني في أفغانستان) صمد القائد العام للقوات المسلحة و رئيس مجلس السيادة و أعضاء هيئة الأركان داخل “القيادة العامة” تحت حصار خانق و قصف مدفعي و جوي و قناصة لعدة أشهر .

* إدارة العمليات تحت النار : هذا الصمود الرمزي و الفعلي مكّن الجيش من الحفاظ على “وحدة القيادة و السيطرة” و منع المليشيا من إعلان “حكومة واقع” أو الحصول على إعتراف دولي عبر السيطرة على رموز سيادة الدولة .

 

*ثانياً :* قدرات “مليشيا الدعم السريع” و حجم الإمداد الدولي عند ساعة الصفر حيث تم إعداد المليشيا لتكون “جيشاً موازياً” يتفوق في حركيته و تسليحه النوعي حيث دخلت الحرب و هي في ذروة قوتها :

* التفوق العددي و التدفقات البشرية : بدأت المليشيا الحرب بقوة صلبة قوامها (100-120 ألف) مقاتل تم تعزيزهم بألاف المرتزقة من (تشاد ، النيجر ، مالي ، ليبيا ، أفريقيا الوسطى ، إثيوبيا و جنوب السودان) و حتى عناصر من خارج القارة .

* التسليح النوعي المستورد : لم تكتفِ المليشيا بسيارات الدفع الرباعي بل زُودت بـ :

١. مسيرات استراتيجية و إنتحارية مثل مسيرات دلتا وينج بعيدة المدى و مسيرات تكتيكية معدلة صينية و أمريكية الصنع .

٢. مدرعات حديثة مثل مدرعات (النمر) و صواريخ (جافلين) مضادة للدروع و ذخائر تم شراؤها لجيوش نظامية و سُخرت للمليشيا .

٣. منظومات التشويش و الاتصال: أجهزة إتصال فضائية متطورة (ستارلينك) مكنتها من إدارة غرف عمليات عابرة للحدود .

٤. التمويل المفتوح: امتلاك المليشيا لمناجم الذهب و تلقيها دعماً مالياً مباشراً مكنها من شراء الولاءات و دفع رواتب بالدولار للمرتزقة المقاتلين في صفوفها .

٥. تحالف المال والدعاية .. و غسيل السمعة: لم تكن الحرب الإعلامية مجرد إسناد محلي بل أُديرت بعقود رسمية مع شركات علاقات عامة وضغط دولية (مثل Capital00 وغيرها في دبي وأوروبا) أُغدقت عليها ملايين الدولارات لـ “غسيل سمعة” المليشيا دولياً و صناعة خطاب سياسي مُضلل بلغات أجنبية لتقديم المتمردين كبديل مدني و توازى ذلك مع هجوم تقني عبر “مزارع الحسابات” (Bot Farms) الممولة لإغراق المنصات بوسوم زائفة تهدف لترهيب الرأي العام و شيطنة القوات المسلحة و مع فتح كبريات الشبكات الإخبارية الإقليمية منابرها لمستشاري المليشيا واجه الجيش السوداني ألة دعائية عالمية منظمة استهدفت تفكيك الدولة مما جعل صموده العسكري معركة استقلال وطني بامتياز في وجه “التزييف الممنهج” .

 

*ثالثاً :* رصد الإنهيارات التاريخية مقابل بسالة الجيش السوداني ذلك إنه عند وضع صمود الجيش السوداني في كفة الميزان مقابل جيوش كبرى تهاوت في أزمنة قياسية يظهر الفارق الجوهري :

* الجيش الأفغاني (2021): رغم إنفاق 83 مليار دولار أمريكي انهار بالكامل أمام طالبان في 11 يوماً بمجرد انسحاب الغطاء الجوي الدولي .

* الجيش العراقي (الموصل 2014): انهار نظام القيادة لـ 4 فرق عسكرية أمام بضعة ألاف من تنظيم داعش خلال 4 أيام (96 ساعة) .

* الجيش الكويتي (1990): انهار النظام الدفاعي بالكامل أمام الغزو العراقي في أقل من 24 ساعة .

* الجيش الأثيوبي (سقوط منقستو 1991) : انهار سريعاً أمام جبهة تحرير تجراي بمجرد وصول الثوار لمشارف أديس أبابا و فر الرئيس إلى زيمبابوي.

* الجيش الزائيري 1997، انهار تماماً خلال 7 أشهر فقط من بدء الزحف حيث استلمت قوات “كابيلا” العاصمة و البلاد بأكملها دون مقاومة تُذكر .

* الجيش الفرنسي (1940): كأكبر قوة في أوروبا، انهار أمام الغزو الألماني في 6 أسابيع و سقطت باريس .

* الجيش السوداني (2023-2026): يقاتل منذ 3 سنوات في مسرح عمليات يغطي مساحات واسعة و حدود تقترب من الأربعة ألاف كيلومتر ضد مليشيا مدعومة إقليمياً و رغم ذلك تمكن من إستعادة المبادرة و حرر العاصمة و عدد من الولايات و تمدد غربا في إتجاه كردفان و دارفور .

 

*رابعاً :* الجيش السوداني في 15 أبريل.. هل كان مستعداً؟

من الناحية العسكرية و كان في وضع يمكنه من يكون هو من أطلق الطلقة الأولى في ظل الفارق الكبير في التجهيزات و الإنتشار و لكننا نستطيع أن نجزم أنه إمتص الصدمة الغادرة و قد كان وضعه وقتها :

* تشتت القوات : كان ثلثا قوة الجيش في مهام إدارية بينما كانت المليشيا متموضعة في قلب المراكز السيادية .

* الفجوة النوعية: أسلحة الجيش (دبابات وطيران) لم تكن مصممة لحرب الشوارع في البداية بينما كانت سيارات المليشيا السريعة معدة لهذا الغرض تماماً .

* السر الحقيقي: نجاح الجيش في إعادة تجميع قواته و من ثم التحول من الدفاع إلى الهجوم المنظم هو معجزة عسكرية حيث لم يحدث تاريخياً أن صمد جيش هُجمت قيادته و مطاراته في اللحظة الأولى و ظل متماسكاً .

 

*خامساً:* التحول الإستراتيجي من “الدفاع الساكن” إلى “المبادأة الهجومية” حيث انتقل الجيش إلى مرحلة “التطهير المنظم” عبر تحولات تكتيكية نوعية :

* العمليات الخاصة: تفعيل فرق صغيرة عالية التدريب نفذت عمليات جراحية ليلاً مما حيّد التفوق العددي للمليشيا وسلبهم ميزة الإختباء خلف المدنيين .

* حرب المسيرات الوطنية: نجح الجيش في إدخال “مسيرات وطنية الصنع” استهدفت خطوط الإمداد الطويلة للمليشيا في الأطراف و العمق مما خلق حالة من الهلع في صفوف المليشيا .

* الإستنزاف البشري: تدمير “النخبة الضاربة” للمليشيا عبر الكمائن المركزة مما اضطرهم للاعتماد على مجندين قسرياً و أطفال و هو ما أدى لتراجع كفاءتهم القتالية .

* حول الجيش مواقع المدرعات و المهندسين و الإشارة إلى “محارق” بشرية و مادية استنزفت النخبة القتالية لمليشيا الدعم السريع فبدلاً من الإنسحاب صمدت هذه الوحدات لجر الكتائب الصلبة للمتمردين إلى مواجهات مباشرة و استنزاف يومي ممنهج مما أدى إلى هلاك قوتهم الضاربة و تفتيت موجاتهم الإنتحارية على أسوار هذه القلاع . هذا الإستنزاف لم يكن مجرد دفاع بل كان خطة استراتيجية لكسر العمود الفقري للمليشيا و تحويل زخم هجومهم إلى تآكل مستمر أفقدهم القدرة على الحسم العسكري .

 

*سادساً:* ركائز الصمود (العنصر السوداني والتصنيع الحربي) :

* الفارق العقائدي : يقاتل المرتزق في صفوف المليشيا من أجل “النهب” بينما يقاتل الجندي السوداني بعقيدة “الفداء” و الأرض . هذا الثبات هو ما جعل الجيش يصمد برغم قلة الإمدادات في البداية .

* الإلتفاف الشعبي: تحول الجيش من “مؤسسة” إلى “جيش أمة” بانخراط المدنيين في “المقاومة الشعبية” مما وفر له مداً بشرياً أجهض محاولات التغيير الديموغرافي .

* إمتلاك السودان لـ “منظومة الصناعات الدفاعية” جعله غير مرتهن لقرار خارجي في توفير الذخائر بينما تنهار المليشيا عند انقطاع طرق الإمداد من أدري و أم جرس و المثلث .

*ختاما :*

إن نجاح الجيش السوداني في الانتقال من الدفاع إلى التحرير و تطهير العاصمة و الزحف نحو كردفان و دارفور يثبت أن الجيش الوطني المدعوم شعبياً لا يمكن هزيمته بواسطة المرتزقة مهما بلغ حجم التمويل الخارجي . لقد كسر السودان القاعدة التاريخية التي تقول بأن “المليشيات المدعومة دولياً تنتصر دائماً على الجيوش المنهكة” و أثبت أن “العنصر السوداني” هو المتغير الأهم في معادلة الصمود العالمي .

‫شاهد أيضًا‬

الوطني يهني بتحرير بارا ويشيد ببطولات الشيخ موسى هلال

اصدر المؤتمر الوطني بيانا هنأ فيه المسلحة والقوات المساندة لها بالنصر المبين وطرد المتمردي…