‫الرئيسية‬ مقالات نبل الخصومة: درع الوطن المفقود
مقالات - ‫‫‫‏‫9 ساعات مضت‬

نبل الخصومة: درع الوطن المفقود

أجيال النيل د.سهام موسى مصر

بصفتي باحثة في علم النفس، أرى أن الأزمات الكبرى التي تعصف بالمجتمعات—كما نعيش اليوم في سوداننا الحبيب—ليست مجرد صراعات سياسية أو عسكرية، بل هي في جوهرها اختبار قاسٍ صلابة “النسيج الأخلاقي” والترابط النفسي بين أفراد المجتمع. وفي غمرة هذه المحن، تبرز قيمة غائبة هي الأمل الوحيد لعودة الاستقرار: أدب الخصومة والحفاظ على الشرفاء.

في علم النفس الاجتماعي، نصنف الشخصيات بناءً على “الوازع الداخلي”. الإنسان الشريف يمتلك ما نسميه “الضمير الحي” أو الأنا العليا المتزنة؛ فهو لا ينطلق في خصومته من فجور أو رغبة في التدمير، بل من مبدأ يراه حقاً. هذا النوع من الخصوم هو صمام أمان للمجتمع، لأن “معدنه الأصيل” يمنعه من الانحدار نحو الفجور في الخصومة، أو خيانة الأمانة، أو اغتيال الشخصية.

إن الحفاظ على هؤلاء الشرفاء، حتى وإن اختلفنا معهم في الرأي أو الموقف، هو استثمار طويل الأمد في أمننا النفسي والاجتماعي. فالمجتمع الذي يفقد شرفاءه في غبار المعارك الشخصية، يتحول إلى ساحة للغوغاء حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصالح الضيقة.

نحن اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، نتوق لعودة السودان إلى واحة الأمن والاستقرار. هذا الحلم لن يتحقق بالاتفاق المطلق، فهذا مستحيل بشرياً، بل يتحقق بـ “التراحم والتعاطف” وقت الاختلاف.

المروءة كجسر للعودة، صاحب المروءة هو الذي يترك دائماً “خطاً للرجعة”. هو الخصم الذي يمكنك أن تأمن جانبه على عرضك ومالك وسرك، حتى وأنت في قمة الصراع معه، وبقاء الأخلاق، المواقف السياسية والظروف المعيشية متغيرة بطبعها، لكن الأثر النفسي للتعامل الأخلاقي هو ما يبقى. الشريف بحكمته وعدله هو من سيقود قاطرة التعافي الاجتماعي غداً.

إن “الخوف من الله” والتربية القويمة التي ذكرها المحتوى الإعلامي، هي الركائز التي تحمينا من السقوط في فخ الكراهية المطلقة. كباحثة، أؤكد أن الحفاظ على الاحترام مع أصحاب المروءة يقلل من حدة “الندوب النفسية” التي تتركها الحروب والنزاعات في نفوس الأجيال القادمة.

الخلاف يمر، والتحالفات تتبدل، لكن الأخلاق هي العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها. حافظوا على الشرفاء في حياتكم، في أعمالكم، وفي وطنكم؛ فهم الحصن الأخير ضد الانهيار الأخلاقي، وبهم ومعهم سيعود سوداننا وطناً يسعه الجميع، قائماً على المحبة والعدل والسمو النفسي.

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الوزراء ينعي الصحفي الكبير نور الدين مدني

بمزيد من الحزن والأسى يحتسب الدكتور كامل ادريس رئيس الوزراء الهرم الصحفي الكبير الأستاذ نو…