إفطار القاهرة.. “ترمومتر” الشرعية ومعركة البقاء الصحفي
شيء للوطن م.صلاح غريبة - القاهرة

Ghariba2013@gmail.com
عزّ عليّ كثيراً أن يحول بيني وبين تلبية دعوة الزملاء في الاتحاد العام للصحفيين السودانيين عارضٌ صحي، حرمني من معانقة الوجوه التي صهرتها الغربة وصقلتها المحن. لكن، وكما يقال في مهنتنا: “الخبر يغني عن الأثر”، فما تناقلته الأنباء عن إفطار الجمعة الماضي ببيت السودان بالقاهرة لم يكن مجرد طقس رمضاني عابر، بل كان تظاهرة مهنية وسياسية حملت من الرسائل ما يغني عن حضور الجسد.
أولى الرسائل وأكثرها دلالة، هي تلك القادمة من “مسجل تنظيمات العمل”، والتي حسمت لغطاً طويلاً بإقرار الشرعية للاتحاد العام للصحفيين السودانيين. أن يتحول المكتب التنفيذي إلى لجنة تسيير للترتيب لانتخابات قادمة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو “طوق نجاة” لمهنة تذروها رياح التشتت. هي دعوة صريحة لكل الزملاء بأن “البيت الواحد” هو الضمانة الوحيدة لمستقبل المهنة، خصوصاً في ظل استهداف الهوية الوطنية الذي يتطلب جبهة داخلية صلبة لا تقبل القسمة.
في ثنايا اللقاء، طُرح تساؤل جوهري يلامس جراح الناشرين والصحفيين: هل تعود الصحافة الورقية؟، بينما كانت الخرطوم تضج بمطابعها وصحفها، أصبح العالم الافتراضي هو الملاذ. ومع التدمير الممنهج للمقرات ونهب الأجهزة، يبرز السؤال الاقتصادي: كيف لصحافة تعتمد على مدخلات مستوردة (ورق، أحبار) أن تنهض في ظل اقتصاد الحرب؟
لقد نجحت الصحافة الإلكترونية في “معركة الكرامة” وأثبتت مرونة عالية، لكن يظل الحنين للمطبوع تحدياً يحتاج لورش عمل توازن بين الاستقلالية المهنية والاستدامة المالية.
جاءت كلمات السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين عدوي لتعيد التأكيد على أن “الصحفي ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو شريك في الهم الوطني”. تبني السفارة لبرامج العودة الطوعية، وإدراج الصحفيين في منظومة “عافية” العلاجية، والترتيب لورش تدريبية مع الخبرات المصرية، كلها خطوات تشير إلى إدراك الدولة لأهمية “القوة الناعمة”.
أما البشرى التي زفها السفير بتحرير “بارا” بولاية شمال كردفان، فقد كانت “تحلية” الإفطار الحقيقية، مؤكداً أن معركة التحرير تمضي بالتوازي مع معركة البناء وتوفير سبل العيش والتعليم للطلاب الذين بلغ عدد المسجلين منهم للامتحانات في مصر نحو 44 ألف طالب.
إن كان من كلمة أخيرة، فهي موجهة للحكومة: الصحافة ليست “ديكوراً” سياسياً، بل هي مرآة كاشفة. الاهتمام بالصحفيين لا ينبغي أن يكون عبر “الترضيات” أو “التكتلات”، بل من خلال الاعتراف بالمهنة كشريك استراتيجي في مرحلة الإعمار، وتوفير بيئة العمل سواء عبر تسهيل مدخلات الطباعة أو دعم البنية التحتية الرقمية، والاستثمار في التأهيل والتدريب لضمان جودة المحتوى.
خلاصة القول: لقد أثبت إفطار القاهرة أن الصحفي السوداني، رغم الشتات ومرارة الغربة، يظل عصياً على الانكسار. إنها دعوة للالتفاف حول الكيان الشرعي، ليس حباً في الأشخاص، بل صوناً للمهنة من أن تصبح “سلعة” في سوق النخاسة السياسية.
08 مارس 2026
منظمة مشاد تبحث مع مستشار مجلس السيادة سبل معالجة الأزمة الإنسانية في السودان وتعزيز وصول المساعدات للمدنيين
أجرى رئيس منظمة مشاد، الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل، اتصالاً هاتفياً مع مستشار رئيس مجلس ال…





