الدوحة.. “الحياد الايجابي” لم يعد مطروحا
أمواج ناعمة د. ياسر محجوب الحسين

لطالما عرفت الدوحة بهدوئها الدبلوماسي وقدرتها الفائقة على المشي فوق حبال السياسة المشدودة في الخليج، متبنية دور الوسيط الذي يفتح أبواب الحوار حين توصد في وجوه الآخرين. غير أن هذا المشهد شهد تحولا دراماتيكيا خلال الفترة الأخيرة، وتحديدا منذ اندلاع المواجهات المباشرة بين الولايات المتحـدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر في يونيو 2025، والتي امتدت إلى حرب أوسع في نهاية فبراير الماضي. ومن يراقب صفحات الرأي في الصحف القطرية الكبرى، يدرك أننا أمام “قطر جديدة” في لغتها وتوجهاتها تجاه الجار الشمالي.
لسنوات، كان الخط التحريري في صحف “الراية” و”الوطن” و”العرب” و”الشرق” يميل إلى تدوير الزوايا الحادة، محاولا إيجاد مساحات للتفاهم مع طهران. لكن بعد تعرض المنشآت الحيوية في مسيعيد ورأس لفان للاستهداف بطائرات مسيرة إيرانية في أول مارس الحالي، مما أدى إلى إصابات بلغت 16 شخصا وتوقف لإنتاج الغاز الطبيعي المسال الذي يشكل خمس إمدادات العالم، وقصف قاعدة العديد مرارا بصواريخ باليستية، انتقلت الأقلام القطرية من لغة ضبط النفس إلى لغة السيادة الوطنية. لم يعد الحديث يدور حول سوء تفاهم إقليمي، بل أصبح الوصف السائد هو العدوان الغاشم والخنجر الذي طعن مبدأ حسن الجوار. الدفاع القطري أعلن عن إسقاط عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة، واتهم طهران باستهداف مناطق مدنية ومنشآت طاقة، مما دفع الدوحة إلى إرسال رسائل متطابقة إلى الأمم المتحدة تندد بالانتهاكات وتحتفظ بحق الرد.
المتغير الأبرز في مقالات الرأي القطرية هو التماهي شبه الكامل مع السردية الخليجية المشتركة. ففي مشهد لم نعتده منذ سنوات، أصبحت الافتتاحيات القطرية تتبنى نفس مفردات الصحافة السعودية والإماراتية فيما يتعلق بالأمن الجماعي. “إن أي صاروخ يسقط في الخليج، يسقط في عمق البيت القطري أولا”؛ هكذا لخص أحد الكتاب المقربين من دوائر الفعل، معلنا نهاية مرحلة التغريد المنفرد التي ميزت السياسة القطرية سابقا. وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي أعلنوا في بيان مشترك استنادا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، حق الدفاع عن النفس ضد الهجمات الإيرانية التي طالت قواعد أمريكية ومنشآت مدنية في قطر والإمارات والسعودية والبحرين والكويت وعمان، مما يعكس توحيدا غير مسبوق في الموقف الخليجي.
التحليل العميق لهذه الاتجاهات يشير إلى أن إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا حين حولت الدوحة من رئة دبلوماسية تتنفس من خلالها في أوقات الأزمات، إلى خصم مباشر يشعر بالتهديد الوجودي. الصحافة القطرية اليوم لا تعكس فقط غضبا شعبيا، بل تعبر عن قرار سياسي بإعادة تموضع الدولة داخل المعسكر الخليجي، بعيدا عن أي محاولات لترميم العلاقة مع إيران. رئيس الوزراء القطري اتصل بنظيره الإيراني مطالبا بوقف فوري للهجمات، متهما طهران بجر المنطقة إلى حرب ليست لها، فيما أكدت الدوحة عدم تلقي أي إشعار مسبق من إيران، وقطع الاتصالات الرسمية.
إن ما تقوله الصحافة القطرية اليوم ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو بيان نعي لمرحلة الحياد الإيجابي. فحين تصبح الصواريخ هي لغة التخاطب الوحيدة، لا يتبقى للصحافة سوى أن تكون مرآة لواقع جديد، واقع يرى في طهران تهديدا مباشرا لا يمكن الصمت عنه أو تبريره. لقد نجحت طهران في توحيد الموقف الخليجي إعلاميا وسياسيا، لكنها فعلت ذلك بأقسى الطرق الممكنة.. عبر قصف الصديق الذي كان يوما نافذتها الأخيرة على العالم.
فى يوم المرأة العالمى ( التعليم طريق النجاة )
في كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة بوصفه مناسبة لتجديد العهد بقضايا المرأة وحق…




