نساء السودان: فلسفة الصمود وإدارة الفقد
أجيال النيل د.سهام موسى مصر

بصفتي باحثة في الإرشاد النفسي والأسري، أرى أن الحرب السودانية لم تكن مجرد نزاع عسكري، بل كانت اختباراً وجودياً أعاد صياغة مفهوم “القوة” لدى المرأة السودانية. إن ما نشهده اليوم، خاصة في تجربة السودانيات المتواجدات في مصر، يتجاوز مجرد “النجاة” ليصل إلى مرحلة “إدارة الكارثة” بوعي نفسي مذهل، رغم الأثمان الباهظة التي تُدفع من الرصيد النفسي والجسدي.
كثيراً ما يُساء فهم صمت المرأة وتحملها لظروف النزوح القاسية على أنه استسلام أو ضعف، لكن القراءة النفسية المتعمقة تؤكد أن هذا الصمود هو فعل إرادي واعٍ. المرأة السودانية اليوم تتبنى استراتيجية “استمرار الحياة” كخط دفاع أول لحماية نسيج الأسرة من الانهيار الكامل.
في مراحل الحرب الأولى، كانت الأدوار تتمحور حول الحماية الجسدية والنفسية للأطفال وكبار السن. ومع الانتقال إلى مرحلة اللجوء، خاصة في مصر، تحولت هذه الأدوار إلى مواجهة مباشرة مع التحديات القانونية، والمجتمعية، والاقتصادية. هنا، يصبح التحمل قراراً نابعاً من الرغبة في الحفاظ على “الكيان” وسط رياح الاغتراب، وهو ما نطلق عليه في علم النفس “الاختيار الواعي بين البدائل الصعبة”.
تواجه المرأة السودانية في مصر معادلة معقدة؛ فهي تختار تحمل ضغوط الغربة، وتكاليف المعيشة، والارتباك القانوني، والبعد عن الوطن، لتجنب خطر أكبر هو الفقدان الكلي للأمان أو تشتت الأبناء. هذا المفهوم، المعروف بـ “اختيار أقل الضررين”، يعد ركيزة أساسية في استراتيجيات التكيف النفسي.
ومع ذلك، فإن هذا الاختيار يحمل في طياته مخاطر استنزافية. فالضغوط الخارجية والتعليقات المجتمعية المحبطة قد تزرع بذور الندم والتساؤل: “هل كان هذا هو القرار الصحيح؟”. إن دورنا كمتخصصين هو التأكيد على أن التحمل يصبح خياراً صحياً فقط عندما يكون نابعاً من إرادة ذاتية وليس مجرد انصياع للظروف. وان يكون مؤقتاً وله أهداف كالبحث عن تعليم للأبناء أو استقرار مادي مرحلي، الى جانب كونه متوازناً بحيث لا يؤدي إلى تلاشي الهوية الشخصية للمرأة في سبيل أدوارها الرعائية.
تتعدد أدوار المرأة السودانية عبر مراحل النزاع، وكل مرحلة تتطلب صلابة نفسية من نوع خاص. فمرحلة النزوح واللجوء، حيث تتحول المرأة إلى “المدير اللوجستي” للأسرة، حيث تتعامل مع مفردات قانونية ومجتمعية جديدة، وتسعى لبناء شبكات دعم اجتماعي في بيئة غريبة، ومرحلة التواجد في مصر، عندما تميزت المرأة السودانية هنا بقدرتها على دمج المهارات اليدوية والمهنية لفتح آفاق استقلال مادي، وهو ما يمنحها مساحة أوسع لاتخاذ قرارات متوازنة ويقلل من شعورها بالتبعية أو العجز، واخيرا مرحلة العودة الطوعية (الاستعداد النفسي)، وتبدأ هنا أدوار “إعادة الإعمار النفسي”، حيث تقع على عاتقها مسؤولية تهيئة الأبناء لفكرة العودة ومعالجة آثار صدمات الحرب، مما يتطلب تماسكاً داخلياً كبيراً.
إن القوة الحقيقية لا تعني التحمل بلا حدود. هناك إشارات تحذيرية يجب أن تنتبه لها كل امرأة، لأن تجاهلها يعني الانهيار الوشيك، ومنها الإرهاق المزمن وشعور بالتعب لا يزول بالنوم، وهو انعكاس للجهد العاطفي المستمر، وفقدان الشغف، حين تصبح المهام اليومية أعباءً ثقيلة تخلو من أي معنى، والانعزال النفسي والشعور بالوحدة حتى وسط الزحام.
تحمي المرأة السودانية نفسها بالاستقلال المادي ولو بالتدريج، فالعمل يمنح شعوراً بالجدوى والسيطرة على المصير، إلى جانب ضرورة الاستعانة بشبكات الدعم الاجتماعي والتواصل مع نساء في ظروف مشابهة يخفف من وطأة الشعور بالاستثناء في المعاناة، و العناية الذاتية كأولوية بتخصيص وقت، ولو بسيط، لأنشطة تعيد الاتزان النفسي، بعيداً عن صراعات الطاقة المستنزفة.
“التحمل ليس قدراً محتوماً، بل هو أداة لإدارة الأزمة. والقوة الحقيقية تكمن في معرفة متى نستمر، ومتى نتوقف لطلب الدعم، فالجسد والروح أمانتين لا يصح التضحية بهما كلياً تحت ذريعة التضحية من أجل الآخرين.”
ختاماً، تظل المرأة السودانية في مصر وبقية بقاع الشتات هي الحارس الأمامي للهوية والكرامة. إن وعيها بسلامتها النفسية ليس ترفاً، بل هو الضمان الوحيد لاستمرار الحياة وبناء مستقبل سوداني جديد يعترف بفضل تضحياتها ويحمي حقوقها القانونية والمجتمعية.
سيادةٌ حاسمة
■ لم يأتِ المؤتمر الصحفي الذي عقده وزراء الخارجية والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات الم…





