حتى إذا فُتِّحت أبواب السودان
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أخطر ما يمكن أن يحدث لدولةٍ ما ليس أن يخطط لها الآخرون…
بل أن يكتشف الآخرون أن أبناءها مستعدون – دون أن يشعروا – لتنفيذ الخطة بأنفسهم.
قبل سنوات، قال لي أحد الإخوة العرب، وقد جاء مستثمراً في السودان، عبارةً لم أنسها حتى اليوم.
قالها لي بالنص:
“نحن بنستثمر في جهل السودانيين… وما تزعل مني يا دكتور محمد.”
وقتها تملكني الغضب.
ليس فقط لأن العبارة جارحة،
بل لأنها بدت لي قاسية وغير منصفة لشعبٍ أعرف عمق أخلاقه وتاريخه.
لكن بعد الحرب…
وبعد ما رأيناه من انكسارات اجتماعية وأخلاقية…
لم يعد الغضب هو الشعور الوحيد.
حلّت مكانه الدهشة.
دهشة حين اكتشفت أن المشكلة ليست فقط أن هناك من يريد أن يستثمر في جهلنا…
بل أن بعضنا صار يستثمر في حاجة بعضنا الآخر.
كأننا أصبحنا – دون أن نشعر – شركاء في “صناعة الشقوق” التي يدخل منها الآخرون.
نرى أخانا مكسور الظهر…
فنساومه على ثمن الجبر.
نرى ظلماً يقع أمام أعيننا…
فنصمت، ثم نُريح ضمائرنا بجملة باردة:
“والله أنا يمكن ما أضرك… لكن ما بزيدك حطب.”
وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي للأمم.
فالأمم لا تنهار فقط حين تكثر المؤامرات عليها…
بل حين تصبح القسوة بين أبنائها أمراً عادياً.
وحين يتحول الألم العام إلى فرصة استثمار فردي.
وفي هذه اللحظة تحديداً تصبح الدولة مكشوفة أمام العالم.
فالقوى الكبرى لا تبدأ تدخلها بالجيوش… بل بالخرائط الاجتماعية.
يكفيها أن تعرف كيف يفكر المجتمع… وكيف يتعامل أفراده مع بعضهم.
لأن خرائط المجتمعات اليوم أصبحت جزءًا من خرائط الصراع الدولي وتدرس بدقة :
●كيف يختلف الناس…
●كيف يتخاصمون…
●كيف يتاجر بعضهم بأزمات بعض.
وحين يصل الباحثون إلى لحظة يكتشفون فيها أن المجتمع نفسه صار مستعداً لبيع بعضه لبعض…
فإن التدخل الخارجي يصبح مسألة توقيت فقط.
وفي السودان، كشفت الحرب منذ أبريل ٢٠٢٣م أشياء كثيرة.
كشفت الشجاعة…
وكشفت التضحية…
لكنها كشفت أيضاً جروحاً عميقة داخل المجتمع.
رأينا مدناً تُفرغ من أهلها.
ورأينا حياةً كاملة تُقتلع من جذورها.
لكن الأخطر من ذلك كله…
أننا رأينا كيف يمكن أن تتحول مأساة شعب إلى فرصة للبعض.
وهنا يصبح السؤال قاسياً… لكنه ضروري.
هل المشكلة أن العالم يتآمر على السودان؟
أم أن المشكلة أننا – أحياناً – نُسهّل الطريق أمام كل من يريد أن يعبث به؟
في السودان عبارة ساخرة تختصر هذا المشهد:
“على هامان… يا فرعون.”
نرددها كأنها نكتة…
لكنها في الحقيقة تلخص مأساة كاملة.
لأن من يأكل اليوم في لحم أخيه…
ومن يستثمر اليوم في حاجته…
عليه أن يتذكر شيئاً بسيطاً:
غداً قد يأتي الدور عليه ويستطاب.
فالأزمات لا تدور في دوائر صغيرة.
إنها تتسع…
ثم تعود.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه ليس:
من الذي يتدخل في السودان؟
بل سؤال أبسط… وأصعب:
هل أصبحنا نحن أنفسنا البوابة التي يدخل منها الآخرون؟
إلى عموم أهلنا في السودان نقولها بوضوح:
ما هكذا يُحفظ السودان.
فالسودان ليس أرضاً فقط…
السودان هو ذلك الخيط الخفي من الرحمة بين أهله.
وإذا انقطع هذا الخيط…
فلا حدود في العالم يمكن أن تحميه.
السودان ليس هشاً…
لكن المجتمعات تصبح هشّة حين ينسى أهلها أن قوة الأوطان تبدأ من الرحمة بينهم.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
اتحاد الصحفيين يشرع في مراجعة السجل الصحفي وتنقيحه
أعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين شروعه في مراجعة وتنقيح السجل الصحفي في خطوة تهدف إل…





