‫الرئيسية‬ مقالات إدانة استهداف المدنيين… مبدأ أم موقف سياسي؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

إدانة استهداف المدنيين… مبدأ أم موقف سياسي؟

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

استمعتُ إلى خالد سلك وهو يُدين ضرب إيران للأعيان المدنية في دول الخليج، ولا شك أن هذا موقف صحيح في أصله؛ فاستهداف المدنيين جريمة مدانة في كل الشرائع والقوانين والأعراف الإنسانية. ولا يمكن لأي ضمير حي أن يقبل الاعتداء على البيوت الآمنة أو ترويع الأبرياء.

 

وقد جاء الإسلام بتأكيد حرمة الدماء والاعتداء على الآمنين، قال الله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).

 

كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190). وقد شدد النبي ﷺ على حرمة الدماء فقال: «لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتلِ رجلٍ مسلم» (رواه الترمذي والنسائي).
وقال ﷺ أيضًا: «لا يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا» (رواه البخاري).

 

ولهذا فإننا نؤكد إدانتنا الكاملة لأي اعتداء يستهدف الأشقاء في دول الخليج، فهذه شعوب عُرفت بحب السلام والسعي إلى البناء والتنمية، ولم يُعرف عنها أنها اعتدت على جيرانها أو سعت إلى تهديد أمنهم. ومن ثم فإن الاعتداء عليها عدوان مرفوض، وعلى إيران – وغيرها – أن تكف يدها عن دول الخليج وأن تحترم أمنها وسيادتها.
لكن هذا الموقف يثير سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل إدانة استهداف المدنيين مبدأ ثابت أم أنها موقف سياسي يتغير بتغير الساحات؟

 

فالمتابع لخطاب بعض القيادات السياسية السودانية، ومنهم خالد سلك، وهو أحد الوجوه المعروفة في قوى الحرية والتغيير والمرتبط بخطاب تحالف صمود، يلاحظ بوضوح هذا التناقض في المعايير.

 

ففي الوقت الذي نراه اليوم يرفع صوته عاليًا في إدانة استهداف الأعيان المدنية في الخليج، لم نسمع له خلال الحرب في السودان موقفًا واضحًا وحازمًا في إدانة استهداف الأعيان المدنية من قبل قوات الدعم السريع، رغم أن هذه الانتهاكات أصبحت معروفة ومشهودة.

 

لقد شهد السودان خلال هذه الحرب مشاهد مؤلمة؛ أحياء سكنية اقتُحمت، وبيوت نُهبت، ومدنيون هُجّروا من منازلهم، ومرافق خدمية تحولت إلى ساحات قتال. ومع ذلك ظل خطاب بعض الدوائر السياسية المرتبطة بتحالف صمود يركّز على اتهام الجيش بقتل المدنيين، مع قدر كبير من الصمت أو التخفيف عند الحديث عن انتهاكات الدعم السريع.
بل إن إدانة الدعم السريع – حين تُذكر – تأتي في كثير من الأحيان على استحياء، وكأن الأمر مجرد تفصيل جانبي في مشهد الحرب، لا جريمة تمس حياة الناس وأمن المجتمع.

 

وقد بدا هذا التردد واضحًا عندما وُجه السؤال مباشرة إلى خالد سلك عن مسؤولية حميدتي في قتل المدنيين، فكان التلعثم سيد الموقف، وغابت الإجابة الصريحة التي ينتظرها الناس من أي صاحب موقف أخلاقي واضح.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية
فحين تتحول القيم الإنسانية إلى أدوات في الصراع السياسي، تفقد معناها الأخلاقي وتصبح مجرد شعارات تُرفع حين تخدم الموقف السياسي، وتُخفى حين تُحرج صاحبها.

 

إن استهداف المدنيين جريمة، سواء وقع في الخليج أو في الخرطوم أو في دارفور أو في أي مكان من العالم. ولا يجوز أن يتغير الحكم على الجريمة بتغير الفاعل أو الضحية.
فالمدني مدني، والدم البريء لا يعرف الاصطفافات السياسية.
وقد قرر أهل العلم أن حرمة الدماء أصل عظيم من أصول الشريعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن الدماء المعصومة لا تُستباح إلا بحق، وأعظم الظلم بعد الشرك بالله سفك الدم الحرام”
(مجموع الفتاوى 28/540).

 

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“إن الشريعة مبناها على العدل والرحمة، فكل ما خرج عن العدل إلى الجور فليس من الشريعة”
(إعلام الموقعين 3/3).
كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “الاعتداء على الأنفس المعصومة من أعظم الجرائم، ولا يجوز بحال تبريره أو السكوت عنه” (الشرح الممتع 14/15).
وإن أخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب العام في أوقات الأزمات هو أن تتحول الأخلاق إلى معايير مزدوجة.

 

فالمواقف المبدئية لا تتغير بتغير الساحات، ولا تتبدل بتبدل التحالفات.
فالذي يدين استهداف المدنيين في الخليج عليه أن يدينه كذلك في السودان؛ فالتفريق بين المتماثلات لا يقرّه العقل ولا يجيزه الشرع، ومن يرفع صوت الأخلاق هنا لا يجوز أن يخفضه هناك.
فالقيم لا تُختبر حين توافق الهوى بل حين تخالفه.
وهنا يظهر الفرق بين من يحمل القيم ومن يستخدمها.

‫شاهد أيضًا‬

اتحاد الصحفيين يشرع في مراجعة السجل الصحفي وتنقيحه

أعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين شروعه في مراجعة وتنقيح السجل الصحفي في خطوة تهدف إل…