صيام خصوص الخصوص
خواطر رمضانية (1447) 30/28 عادل عسوم

مدخل:
يقول الله تعالى:
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} 26 الأعراف
لباس التقوى كما ورد في التفاسير، هو الإيمان، وقيل خشية الله، وقيل العمل الصالح، وقيل حسن السمت، وقيل غير ذلك، وكل ذلك صحيح.
لقد وهب الله بني آدم نوعين من اللباس، الأول يستر العورة ويزين الجسد (ريشا)، والثاني أسماه الله تعالى لباس التقوى وقد وصفه بكونه (خير) من اللباس الأول، ف إبن آدم يمكنه نزع اللباس الأول خلال بعض حراك يومه، لكنه إن نزع اللباس الثاني فإنه يضيع دينه وانسانيته، وهنا تكمن خيرية اللباس الثاني.
والمتدبر لهذه الآية يجد اللباس الأول من ال(ملموسات)، بينما الباس الثاني وهو لباس التقوى، فإنه من ال(محسوسات).
والصيام أيضا نجد فيه الملموس والمحسوس،
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين:
(اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ؛
صَوْمُ الْعُمُومِ.
وصوم الخصوص.
وصوم خصوص الخصوص.
وأما صَوْمُ الْعُمُومِ: فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قضاء الشهوة،
وَأَمَّا صَوْمُ الْخُصُوصِ: فَهُوَ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْآثَامِ.
وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدَّنِيَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عز وجل بالكلية).
انتهى
ف الصائم قد يسترسل بخياله فيتذكر مشهدَ عُريٍ، أو تعرض له معصيةٍ اقترفها تتسبب في حيوده عن الاستغراق في الطاعة والإخبات لله، وبالطبع يحدث ذلك أيضا خلال الصلاة او حين تلاوة القرآن، وهذا التخيل (العاري) ينأى بالقلب والوجدان عن الخشوع والحضور بين يدي الله تعالى، ومعلوم أن المطلوب الحرص على الخشوع في الصلاة:
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون 2،1
وحين نتلو القرآن ينبغي التفكر في معاني كلمات ومرادات آي القرآن الكريم لطرد هذه الأخيلة العارية، وحين الصيام يختلف الأمر كثيرا، فإن كانت فترة الاستغراق في الصلاة والتلاوة دقائق أو ساعة؛ فإن الصائم يمضي نهاره كله صائما، ويظل يجاهد نفسه طوال فترة صيامه لطرد هذه الأخيلة العارية وكل محسوس حرمه الله عليه كحرصه على الإمساك عن الأكل والشرب، وهذا هو صوم الخصوص وخوص الخصوص.
وعليه، فإن الصائم عليه الانشغال بالطاعات خلال صومه، وإن انتابته هدأة واقتحمته الذكريات فليأطر نفسه أطرا إلى الصور الوضيئة منها مما يعزّز فيه التقوى ويعلي من شأن الإيمان في النفس، وقد ورد في علم النفس بأن تكرار ذلك يؤدي تلقائيا إلى تغبيش ثم مسح الكثير الذكريات والصور السالبة، مما يزيد من وضاءة الوجدان وتبييض الخواطر وطهرها.
وهنا حري بنا أن نقف هنيهة بين يدي انبياء الله ورسله عليهم السلام وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام، فقد عُهِدَ عنهم بأنهم ركنوا إلى (خلوات) قبيل بعثتهم، وامضوا خلالها من الوقت الكثير تفكّرا في ملكوت الله وترويضا للخيال في مدارج العروج الروحي إلى الله وتمام توحيده، والأمر انسرب -حتى- إلى ثقافات لاوصل لها بدين سماوي، مثل رياضة اليوجا لدى البوذيين وسواهم.
يقول الغزالي رحمه الله في تفسير الآية 284 من سورة البقرة:
{وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
على”العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ليعلم أنه من لمة الملك أو لمة الشيطان، وأن يمعن النظر فيه بعين البصيرة لا بهوى من الطبع، ولا يطلع عليه إلا بنور التقوى والبصيرة وغزارة العلم كما قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} ”أي رجعوا إلى نور العلم “فإذا هم مبصرون” -أي ينكشف لهم الإشكال- فمن لم يرض نفسه بالتقوى فيميل طبعه إلى الإذعان بتلبيس بمتابعة الهوى فيكثر فيه غلطه ويتعجل فيه هلاكه وهو لا يشعر”.
انتهى.
يذهب الغزالي رحمه الله إلى أن المقياس الذي يميز به الإنسان الخاطر السليم من الخاطر المضر هو أن يعلم الشخص بأن العقل في أكثر الأمر يشير بالأصلح للعواقب وإن كان فيه كلفة ومشقة في الحال، والهوى يشير بالاستراحة وإن يترك التكلف، فمهما عرض لك أمر ولم تدر أيهما أصوب فعليك بما تكرهه لا بما تهواه، فأكثر الخلق في الكراهة.
وقيل بأن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة 286، فحديث النفس وما يعجز عنه الإنسان معفو عنه كما في هذه الآية، وكما في الحديث المتفق عليه: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.
ويقول الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله:
(أما الخواطر التي تعرض، والشكوك التي تعرض ثم تزول بالإيمان واليقين، فهذه لا تضر، بل هي عارضة من الشيطان، ولا تضر؛ ولهذا لما قال الصحابة: «يا رسول الله، إن أحدنا يجد في قلبه ما لئن يخر من السماء أسهل عليه من أن ينطق به -أو كما قالوا- قال: ذاك صريح الإيمان وفي لفظ: تلك الوسوسة فهي من الشيطان، إذا رأى من المؤمن الصدق والإخلاص، وصحة الإيمان، والرغبة فيما عند الله، وسوس عليه بعض الشيء، وألقى في قلبه خواطر خبيثة، فإذا جاهدها وحاربها بالإيمان والتعوذ بالله من الشيطان، سلم من شرها؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر يقول -عليه الصلاة والسلام-: لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله وفي لفظ: فليستعذ بالله ولينته.
فهذا يدلنا على أن الإنسان عرضة للوساوس الشيطانية، فإذا عرض له وساوس خبيثة، وخطرات منكرة، فليبتعد عنها؛ وليقل: آمنت بالله ورسله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ولينته، ولا يلتفت إليها، فإنها باطلة ولا تضره، وهي من الخطرات التي عفا الله عنها).
انتهى.
اللهم ألبسنا لباس التقوى، وأعنا على صيام العموم وصيام الخصوص وصيام خصوص الخصوص، اللهم اعتق رقابنا من النار، وهبنا رضاك والجنة، انك يا ربنا ولي ذلك والقادر عليه.
وإلى اللقاء في خاطرة اليوم التاسع والعشرين ان شاء الله.
آمنت بالله.
adilassoom@gmail.com
من يحكم السودان؟
في بلادنا اليوم، وبين تعقيدات الحرب وتداخل الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، يتقدم إل…




