‫الرئيسية‬ مقالات هل يضع تصنيف “الإخوان” الجيش السوداني في مأزق؟ أم يكشف مأزق الخطاب السياسي؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

هل يضع تصنيف “الإخوان” الجيش السوداني في مأزق؟ أم يكشف مأزق الخطاب السياسي؟

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعتُ على التحقيق المنشور في صحيفة الصيحة بعنوان: «سياسيون سودانيون: تصنيف الإخوان منظمة إرهابية يضع البرهان في مأزق»، وهو طرح يتكرر في بعض المنابر السياسية والإعلامية. غير أن المتأمل في هذا الخطاب يلاحظ سريعًا أنه يقوم على افتراضات سياسية أكثر مما يقوم على دليل موضوعي.

فالجيش السوداني ــ بحكم نشأته وتكوينه ــ مؤسسة وطنية مهنية لم تُبنَ على أساس أيديولوجي، ولم تُنشأ لتكون ذراعًا لحزب أو واجهة لتنظيم. بل هي مؤسسة سيادية تضطلع بحماية الدولة وصون وحدة البلاد، وقد ظل تاريخها ــ على اختلاف المراحل السياسية ــ شاهدًا على أنها مؤسسة دولة لا مؤسسة حزب.

ومن يزعم أن الجيش مؤدلج أو تابع للحركة الإسلامية يتجاهل حقيقة تاريخية لا يمكن القفز فوقها؛ وهي أن الجيش نفسه انحاز في ثورة ديسمبر 2019 لإرادة الشعب، وساهم في إنهاء نظام الإنقاذ. فلو كان الجيش مرتبطًا تنظيميًا أو أيديولوجيًا بالنظام السابق، لما كان طرفًا في إسقاطه، وهذه حقيقة يعرفها القاصي والداني.

لذلك فإن محاولة تصوير الجيش اليوم وكأنه أداة بيد تنظيم سياسي معين ليست قراءة موضوعية بقدر ما هي محاولة سياسية لإعادة تشكيل الرواية، وهي رواية تقوم على تعميمات فضفاضة لا تسندها وقائع مؤسسية ولا دلائل عملية.

واللافت أن كثيرًا من هذه الاتهامات لا تصدر من مراقبين محايدين، بل من أطراف منخرطة في الصراع السياسي أو العسكري، تسعى إلى إضعاف صورة الجيش الوطني في الوعي العام، تمهيدًا للضغط عليه أو نزع شرعيته، في سياق معركة سرديات لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض.

إن تحويل النقاش من سؤال حماية الدولة واستقرارها إلى سؤال شيطنة المؤسسة العسكرية هو في حقيقته نقل للصراع من ميدان السياسة إلى ميدان تفكيك الدولة نفسها. فالجيوش الوطنية ليست موضوعًا للمزايدات الحزبية، لأنها تمثل أحد أهم ركائز السيادة والاستقرار.

 

والحقيقة التي يجب أن تبقى واضحة هي أن الجيش السوداني جيش وطني مهني، لا يرتبط تنظيميًا بأي حزب سياسي، ولا يمكن اختزال تاريخه ومؤسسيته في خطاب اتهامي عابر.

بل إن ما يجري في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا؛ إذ إن بعض القوى التي تروج لهذه الاتهامات تسعى في جوهر خطابها إلى إضعاف الجيش حتى يُدفع إلى تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية لصالح قوى التمرد، أو لإعادة صياغة ميزان القوى في الدولة.

 

ومن هنا فإن القول بأن تصنيفًا دوليًا ما يضع الجيش أو قيادته في مأزق استنتاج متعجل؛ لأن المؤسسات الوطنية لا تُقاس بمواقف الأحزاب ولا بتقلبات الخطاب السياسي، بل تُقاس بوظيفتها الأساسية: حماية الدولة وحفظ وحدتها.

إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي مسؤول يفرق بين النقد السياسي المشروع وبين محاولة تقويض مؤسسات الدولة. فالنقد حق، لكن تحويل الجيش إلى هدف دائم للاتهام دون برهان إنما يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والانقسام.

وفي نهاية المطاف، تظل الحقائق التاريخية والمؤسسية أقوى من الحملات الإعلامية؛ لأن الجيش الوطني لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يقوم به من دور في حماية الوطن وصون وحدته.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يضع هذا التصنيف البرهان في مأزق؟

بل السؤال الأصدق هو: لماذا يسعى البعض إلى وضع الجيش السوداني نفسه في مأزق الاتهام والتشكيك؟

فالتاريخ يعلمنا أن الدول قد تختلف فيها الحكومات، وتتنافس فيها الأحزاب، لكن الجيش الوطني يظل ملكًا للشعب كله، لا ساحةً لصراع الروايات السياسية.

 

وفي تقديري أن تحميل الجيش السوداني تبعات صراعات الأحزاب، أو توظيف التصنيفات الدولية في السجال الداخلي، لن يضع البرهان في مأزق بقدر ما يضع الخطاب السياسي نفسه في مأزق الحجة والبرهان؛ لأن الحقائق التاريخية والمؤسسية لا يمكن طمسها بمجرد الاتهام.

 

ويبقى الأمل أن تتجه النخب السياسية إلى خطاب أكثر مسؤولية يضع مصلحة السودان فوق حسابات الصراع، ويقر بأن الجيش الوطني يجب أن يبقى مؤسسة لكل السودانيين، لا ساحة لتصفية الخصومات الأيديولوجية.

‫شاهد أيضًا‬

من يحكم السودان؟

في بلادنا اليوم، وبين تعقيدات الحرب وتداخل الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، يتقدم إل…