القطاع الصحي يخسر أحد جنوده
محجوب أبوالقاسم

لم يكن القطاع الصحي في السودان بمنأى عن نيران الحرب التي أشعلتها مليشيا الجنجويد فقد طالت أيادي العبث كثير من مستشفيات البلاد ومراكزها الصحية خاصة في ولاية الخرطوم التي تعرضت بنيتها الطبية لدمار واسع فخرجت مؤسسات كثيرة عن الخدمة وتراجعت القدرة على تقديم العلاج في وقت كانت فيه الحاجة مضاعفة لكل سرير طبي ولكل طبيب يقف في مواجهة الألم.
لكن مع استعادة الخرطوم وتحريرها تدريجيا بدأت ملامح التعافي تظهر في جسد القطاع الصحي وعادت الحياة تدب في عدد من المستشفيات والمراكز العلاجية التي أعيد تشغيلها وتأهيلها رغم ضعف الإمكانيات وضخامة التحديات ولم يكن ذلك ليتحقق لولا جهود كوادر طبية وإدارية اختارت البقاء في الميدان حين غادر كثيرون مواقعهم تحت ضغط الرصاص والخوف.
وفي مقدمة هؤلاء برز اسم الدكتور فتح الرحمن محمد الأمين أخصائي المناظير والاستشاري المعروف الذي تولى إدارة ملف الصحة في ولاية الخرطوم وزير مكلف ومديرا عاما للوزارة الرجل ظل مرابط في العاصمة طوال أصعب مراحل الحرب مقدما خدماته الطبية ومتابعا لملف إعادة تشغيل المؤسسات الصحية في وقت كانت فيه الخرطوم تعيش واحدة من أقسى فصولها.
وخلال فترة تكليفه عمل فتح الرحمن مع فريق من الكفاءات الطبية والإدارية من بينهم الدكتور أحمد البشير وآخرين على تحريك ملفات عديدة ظلت مجمدة بفعل الحرب وساهموا في إعادة تشغيل عدد من المستشفيات والمراكز الصحية في محليات الولاية السبع في جهد وصفه العاملون في القطاع الصحي بأنه أشبه بعملية إنعاش لنظام صحي كان يلفظ أنفاسه.
كما كان للرجل حضور واضح في لجنة تهيئة العودة للعاصمة حيث لعب دورا مهما في تجهيز المرافق الصحية لاستقبال المواطنين العائدين إلى الخرطوم بعد أشهر طويلة من النزوح والغياب القسري وهو جهد حظي بإشادة واسعة من قطاعات مختلفة داخل الوسط الطبي ، غير أن المفاجأة التي فاجأت كثيرين جاءت بصدور قرار من والي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة بإعفاء الدكتور فتح الرحمن من منصبه كوزير صحة مكلف ومدير عام للوزارة
القرار الذي صدر بصورة مفاجئة فتح الباب أمام تساؤلات عديدة داخل الأوساط الصحية والإدارية خاصة أن توقيته جاء في مرحلة دقيقة لا يزال فيها القطاع الصحي يحاول الوقوف على قدميه بعد الخراب الذي خلفته الحرب.
قالت مصادر مطلعة إن الإعفاء جاء عقب اجتماع عقد بوزارة الصحة الاتحادية شهد نقاشات ساخنة حول عدد من القضايا المرتبطة بواقع النظام الصحي في البلاد في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهه ووفقا لتلك المصادر فإن النقاشات الحادة التي جرت خلال الاجتماع ربما عكست اختلافات في وجهات النظر بين الوزير الولائي وبعض مديري الإدارات في الوزارة الاتحادية.
ويعرف عن الدكتور فتح الرحمن داخل الوسط الطبي بجرأته في طرح القضايا ومواقفه الصريحة في الدفاع عما يراه مصلحة للنظام الصحي وهي صفات أكسبته احترام قطاع واسع من الأطباء والعاملين في المجال الصحي لكنها في الوقت ذاته ربما جعلته في مواجهة مباشرة مع بعض مراكز القرار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل يحتمل القطاع الصحي في هذه المرحلة الحساسة خسارة مزيد من الكفاءات؟
السودان يعيش مرحلة استثنائية والخرطوم على وجه الخصوص تحاول لملمة جراحها وإعادة بناء مؤسساتها بعد حرب مدمرة وفي مثل هذه الظروف تصبح الكفاءات الوطنية رأس المال الحقيقي الذي ينبغي الحفاظ عليه لا التفريط فيه.
ليس من الحكمة أن تتحول الخلافات الإدارية أو اختلاف وجهات النظر إلى سبب لإقصاء أصحاب الخبرة والتجربة خاصة في قطاع حيوي كالصحة يرتبط مباشرة بحياة المواطنين وسلامتهم،
فالبلاد اليوم في حاجة إلى كل عقل نير وكل يد خبيرة وإلى قرارات تبعث الطمأنينة في النفوس لا تلك التي تثير التساؤلات والقلق داخل المؤسسات.
وإن كان في قرار الإعفاء ظلم أو إجحاف فإن مراجعته تبقى أمرا مطلوبا ليس فقط إنصافا لشخص بعينه بل حفاظا على مبدأ دعم الكفاءات التي اختارت الوقوف في الصفوف الأمامية وقت الشدائد.
فالطبيب الذي يضمد الجراح ويزرع الأمل في قلوب المرضى لا ينبغي أن يكون ضحية صراعات إدارية أو حسابات ضيقة خصوصا في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى كل جهد صادق.
ولنا عودة
17 مارس 2026م
من يحكم السودان؟
في بلادنا اليوم، وبين تعقيدات الحرب وتداخل الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، يتقدم إل…




