استعادة الدولة تبدأ من البرلمان
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي

الدول التي تتطلع للنهوض والتطوير ، لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى فهم اتجاهات المجتمع قبل اتخاذ القرارات. ويأتي استطلاع الرأي العام في مقدمة الأدوات الفاعلة التي تُستخدم لقياس المزاج العام واستشراف مواقف المواطنين تجاه قضايا الحكم وإدارة الدولة.
في هذا المنحى، اعتمد هذا المقال على نتائج استطلاع مهم أجراه “مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام” ، إلى جانب متابعة اتجاهات الرأي داخل السودان، عبر وسائط الإعلام وجلسات النقاش والتي كشفت عن حقيقة مهمة: أن استكمال بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المجلس التشريعي، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية.
تكمن أهمية هذه النتائج في توقيتها. فمنذ عام 2019 يعيش السودان حالة فراغ تشريعي، غابت خلالها المؤسسة البرلمانية التي تمثل أحد أعمدة التوازن بين السلطات. ولم يكن هذا الغياب مجرد نقص في هرم السلطة، بل تحوّل إلى ثغرة أضعفت بنية الدولة، وفتحت المجال لصراعات النخب وتزايد تأثير الضغوط الخارجية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات تتداخل الحرب مع تعقيدات الانتقال.
ويكتسب هذا الملف بعدًا دستوريًا مهمًا. فقد نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019، المعدلة 2025 ، على ضرورة تشكيل مجلس تشريعي انتقالي بوصفه جزءًا أساسيًا من هيكلة السلطة. وهذا يعني أن البرلمان، استحقاقًا دستوريًا، وركيزة ضرورية لاستعادة التوازن ومنح القرارات الشرعية.
لقد أدى غياب البرلمان إلى واقع استثنائي ظلت فيه السلطة التشريعية تمارس بصورة مؤقتة عبر مجلسي السيادة والوزراء. ورغم أن هذه الصيغة كانت مفهومة في إطار الظروف الانتقالية، فإن استمرارها لسنوات طويلة أوجد حالة من الخلل، حيث تُتخذ القرارات الكبرى في ظل غياب أهم سلطة تمثل الشعب لتمنح القرارات عمقًا سياسيًا وشرعية وطنية.
في هذا السياق جاء اللقاء الذي عقده الرئيس عبد الفتاح البرهان في بورتسودان أواخر يناير الماضي مع الكتلة الديمقراطية والقوى السياسية، ليعيد طرح السؤال المؤجل حول استكمال مؤسسات الحكم في البلاد. فقد طلب البرهان خلال اللقاء من القوى السياسية تقديم تصورات واضحة بشأن تشكيل المجلس التشريعي ومواقيته، في إشارة إلى محاولة فتح مسار سياسي موازٍ لمسار الحرب.
غير أن هذا الطرح سرعان ما كشف عن تعقيدات المشهد. فمع عودة النقاش حول البرلمان، برز تباين واضح في مواقف القوى السياسية. فبينما اعتبرته بعض الأطراف خطوة ضرورية لاستكمال مؤسسات الانتقال، حذرت أخرى من خطر تشكيله عبر التعيين أو المحاصصة. وبين هذين الاتجاهين، برز سؤال مهم : من يملك حق تمثيل المجتمع في هذه المرحلة؟
هذا التباين عكس أزمة ثقة بين المجتمع والنخب السياسية، بعد سنوات من الانقسامات التي أضعفت الثقة في آليات العمل السياسي.
وتؤكد نتائج الاستطلاع هذه الصورة. فقد أظهرت أن غالبية المشاركين يدعمون قيام المجلس التشريعي باعتباره خطوة نحو الاستقرار، لكنهم في الوقت نفسه لا يثقون في قدرة التحالفات السياسية الحالية على تشكيل مجلس يعبر عنهم بصورة حقيقية.
هذه المفارقة تكشف ملامح المزاج العام: حاجة واضحة إلى البرلمان، يقابلها تحفظ على الطريقة التي قد يتم بها تشكيله. ولذلك برز اتجاه واسع يفضل أن يقوم المجلس على الكفاءات الوطنية المستقلة، مع تمثيل للشباب والنساء والنقابات والقطاعات المهنية، إلى جانب حضور متوازن للولايات
كما أظهرت النتائج توافقًا لافتًا حول معايير الاختيار، حيث تصدرت النزاهة والكفاءة والسيرة المهنية قائمة الأولويات، إلى جانب الالتزام بوحدة البلاد وعدم التورط في الفساد أو الانتهاكات. وهو ما يعكس رغبة في تجاوز منطق المحاصصة إلى نموذج قائم على الجدارة والمسؤولية.
غير أن تحقيق هذا النموذج يواجه تحديات حقيقية. فقد أظهرت التجارب السابقة أن تشكيل المؤسسات الانتقالية غالبًا ما يخضع لتوازنات القوة، لا لمعايير الكفاءة. وهو ما يفسر القلق الشعبي من أن يتحول البرلمان إلى ساحة جديدة للصراع بدلًا من أن يكون أداة للاستقرار وحفظ السيادة.
ومع ذلك، يبقى المجلس التشريعي أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة الدولة. فوجود مؤسسة تشريعية يمكن أن يعيد التوازن بين السلطات، ويوفر إطارًا قانونيًا للرقابة والمساءلة، ويمنح القرارات شرعية داخلية وخارجية. كما يمكن أن يشكل منصة لتنظيم الحوار الوطني حول قضايا الحرب والسلام وإعادة البناء. كذلك يحفظ سيادة البلاد أمام الابتزاز الخارجي.
ومن هذه الزاوية، فإن البرلمان — إذا أُحسن تأسيسه — يمكن أن يكون نقطة التحول في مسار الانتقال. فهو الجسر الذي يعيد وصل المواطن بالدولة، والمنصة التي تُترجم عبرها إرادة المجتمع إلى سياسات تنموية ناهضة، والآلية التي تحمي الدولة والقرار السياسي من الفوضى والتغوّل.
ولذلك وبحسب #وجه_الحقيقة فإن السؤال لم يعد: هل يحتاج السودان إلى مجلس تشريعي؟ بل كيف يمكن تأسيس هذا المجلس بطريقة تعكس تطلعات المجتمع وتحمي الدولة من إعادة إنتاج أزماتها . فاستعادة الدولة، في نهاية المطاف، لا تبدأ من ساحات القتال وحدها، بل تبدأ من المؤسسة التي تمنح صوت المجتمع مكانه الطبيعي في سلطة القرار. ومن هنا يصبح البرلمان، الخطوة الأولى في الطريق نحو دولة مستقرة تسع الجميع بلا استثناء.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 18 مارس 2026م Shglawi55@gmail.com
وجدي صالح سقوط نهائي بلا رجعة
ما صدر عن وجدي صالح ليس بيان سياسي بل إعلان تحدي لإرادة شعب لم يعد يحتمل العبث بذاكرته أو …




