لجنة إزالة التمكين العدالة الانتقائية أخطر من الفساد
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعتُ في وسائل الميديا على أحاديث متجددة عن عودة لجنة إزالة نظام الثلاثين من يونيو إلى الواجهة، وإعلانها استئناف نشاطها في ملاحقة ما تسميه فلول النظام السابق واسترداد الأموال العامة. وقد يبدو هذا الخطاب في ظاهره جذابًا، لأن شعار محاربة الفساد يجد قبولًا واسعًا في كل المجتمعات. لكن التجربة التي عاشها السودانيون خلال السنوات الماضية تجعل من الضروري طرح الأسئلة الصعبة بعيدًا عن الشعارات.
لقد رفعت لجنة إزالة التمكين منذ تأسيسها شعار محاربة الفساد واسترداد أموال الشعب، وهو شعار لا يمكن لأي عاقل أن يعترض عليه. غير أن المشكلة لم تكن في الشعار، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا الملف.
فقد مُنحت اللجنة صلاحيات واسعة غير مسبوقة، حتى بدت في بعض الأحيان كأنها سلطة فوق مؤسسات الدولة. فكانت تصدر قرارات بمصادرة الممتلكات، وتجميد الحسابات المصرفية، وحل الشركات، وفصل الموظفين من وظائفهم، وكل ذلك بقرارات إدارية مباشرة.
وقد أدى هذا النهج إلى جدل واسع داخل السودان، خاصة بعد أن أبطلت المحاكم عددًا من قرارات اللجنة بعد الطعن فيها، الأمر الذي كشف أن بعض تلك القرارات لم يكن قائمًا على أساس قانوني متين.
كما أن عددًا من المؤسسات الاقتصادية التي صدرت بحقها قرارات المصادرة أو الحل تعطلت أعمالها لفترات طويلة، وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصاد وعلى آلاف العاملين فيها، في وقتٍ كان فيه الاقتصاد السوداني يعاني أصلًا من أزمات خانقة.
لكن القضية الأخطر التي بقيت بلا إجابة واضحة حتى اليوم هي قضية الأموال التي قالت اللجنة إنها استردتها.
فقد تحدثت اللجنة في مناسبات عديدة عن مصادرة أصول ضخمة واستعادة شركات وأموال وأراضٍ قيل إنها كانت منهوبة. وقد رُوج لهذه القرارات بوصفها إنجازًا اقتصاديًا كبيرًا سيعيد أموال الشعب إلى خزينة الدولة.
غير أن المفارقة التي أثارت تساؤلات واسعة أن ثلاثة وزراء مالية تعاقبوا في حكومة الفترة الانتقالية أكدوا في تصريحات مختلفة أن وزارة المالية لم تستلم جنيهًا واحدًا من لجنة إزالة التمكين.
فقد أشار وزير المالية الأسبق د. إبراهيم البدوي إلى أن الأموال المصادرة لم تدخل وزارة المالية عبر القنوات الرسمية.
كما صرّح وزير المالية لاحقًا د. جبريل إبراهيم بأن وزارة المالية لم تتسلم تلك الأموال ضمن موارد الدولة.
وكذلك جاءت تصريحات د. هبة محمد علي – التي تولت وزارة المالية بالإنابة لفترة – لتؤكد غياب آلية واضحة لتحويل تلك الأصول والأموال إلى الخزينة العامة.
وهنا يبرز السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن السوداني بوضوح:
إذا كانت تلك الأموال قد استُردت فعلًا، فأين ذهبت؟
إن المال العام في أي دولة لا بد أن يدخل عبر القنوات الرسمية المعروفة: وزارة المالية، وبنك السودان المركزي، وأن يظهر أثره في الموازنة العامة للدولة، وأن يخضع لرقابة المراجع العام. أما أن تُعلن أرقام ضخمة عن الأموال المصادرة دون أن يرى المواطن أثرها في حسابات الدولة أو في تحسين الخدمات، فذلك يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات.
لقد كان المواطن السوداني ينتظر أن تنعكس تلك الأموال – إن صحت – في دعم الاقتصاد الوطني أو تحسين الخدمات الأساسية أو تخفيف معاناة الناس. لكن الواقع كان مختلفًا؛ فقد استمرت الأزمات الاقتصادية، وارتفعت معدلات التضخم، وتدهورت قيمة العملة الوطنية.
وإلى جانب ذلك، برزت في الفضاء العام أحاديث متكررة عن تدخلات خارجية وتأثيرات دولية في عمل اللجنة، وهو أمر إن صحّ فإنه يفرغها من مضمونها الوطني. فالقضايا المتعلقة بالعدالة والمال العام والسيادة القانونية ينبغي أن تُدار داخل مؤسسات الدولة الوطنية، لا أن تصبح جزءًا من أجندات أو تأثيرات خارجية.
إن أي شبهة تدخل أجنبي في عمل لجنة يفترض أنها تعالج ملفات العدالة والفساد داخل الدولة، كفيلة بأن تنزع عنها صفة اللجنة الوطنية، وتحوّلها – في نظر الرأي العام – إلى أداة مرتبطة بسياق خارجي. وهذا في حد ذاته يفتح باب التشكيك في العدالة، ويضعف الثقة في مؤسسات الدولة، ويُعد في نظر كثيرين ذروة الارتهان للخارج.
إن التجربة كشفت بوضوح خطورة تحويل العدالة إلى أداة في الصراع السياسي. فحين تختلط العدالة بالشعارات، تصبح الحقيقة أول الضحايا.
ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط:
هل نجحت لجنة إزالة التمكين في محاربة الفساد؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل تحولت تلك التجربة إلى مثال صارخ على أن الثورة قد تأكل شعارها حين تتحول العدالة إلى أداة سياسية؟
فالتاريخ لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم النتائج.
والدول لا تُبنى باللجان الاستثنائية، بل تُبنى بسيادة القانون وعدالة المؤسسات.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة:
أين ذهبت أموال الشعب؟
وجدي صالح سقوط نهائي بلا رجعة
ما صدر عن وجدي صالح ليس بيان سياسي بل إعلان تحدي لإرادة شعب لم يعد يحتمل العبث بذاكرته أو …




