‫الرئيسية‬ مقالات السودان: بيت ناصية سنقل 
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

السودان: بيت ناصية سنقل 

ما وراء البحار  بقلم: عباس حمدون

١٨-٣-٢٠٢٦

يشبه موقع السودان الجغرافي بيتاً يقع في ناصية بين صفوف المنازل الأخرى في الحي وتفتح على ثلاثة شوارع رئيسية. فخلف الشارع الأول تمتد جغرافيا دول شرق إفريقيا، وخلف الشارع الثاني تقع دول غرب إفريقيا، أما الشارع الثالث فيفتح على البحر الأحمر، ومنه إلى عوالم وجغرافيات أخرى. ولهذا البيت جار ملاصق، تربطه به معرفة معقولة، يتبادلان التحية اليومية عبر السور الفاصل بينهما، فيقول أحدهما للآخر صباح الخير ومساء الخير، وتجري بينهم سؤال الحال بكلمات عابرة، أرباب الأسرتين تربطهم علاقات طيبة وأطفالهم يتداخلون بعضهم البعض. والزيارات الأسرية متواصلة بينهم بشكل يومي، وكلاهما أبناء النيل.

 

غير أن أسرة هذا البيت [ناصية سنقل].. أي السودان، لم تكن تعبر تلك الشوارع كثيراً لتتعرف إلى بقية الجيران عن قرب. لم تنفتح بما يكفي على مجتمعاتهم، ولم تتوسع العلاقات بينهم في تبادل العادات والتقاليد والتواصل الاجتماعي، أو حتى في تبادل الأفكار والنظم الاقتصادية. كما لم تتطور الروابط إلى علاقات مصاهرة أو شراكات اجتماعية تعزز قوة النسيج الاجتماعي بين سكان الحي.

 

ومع أن موقع السودان المميز في هذا الحي الإفريقي كان يفترض أن يجعله أكثر انفتاحاً على جيرانه، إلا أن هذا الانفتاح ظل محدوداً لسنوات طويلة. لذلك لم تتعرف شعوب شرق إفريقيا التي تتواجد خلف الشارع الأول على حقيقة المجتمع السوداني إلا بعد اندلاع الحرب، حين اضطرت أعداد كبيرة من السودانيين إلى اللجوء إلى تلك الدول.

 

عندها حدث الاحتكاك الحقيقي بين الشعوب، واكتشف كثير من المجتمعات أن السودانيين يمتلكون ثراءً ملحوظاً في الفكر والثقافة والموارد البشرية. فقد برز حضورهم حتى في ظروف اللجوء؛ إذ استأجر بعضهم منازل فاخرة بمبالغ عالية، وشارك آخرون بفاعلية في مؤسسات التعليم العالي، واختير بعضهم أساتذة في جامعات مرموقة. كما حقق الطلاب السودانيون نتائج متميزة في الدراسات العليا، ولفت الأطباء السودانيون الأنظار بخبراتهم وكفاءاتهم في المجتمعات المضيفة.

 

وفي خضم هذه التجربة، أخذ بعض السودانيين يتساءلون بدهشة: كيف لم نكن نعرف هذه الدول عن قرب من قبل؟ وكيف بقيت المسافات الاجتماعية بعيدة رغم القرب الجغرافي؟ فحتى في ذاكرة كثير من السودانيين لم تكن زيارة هذه الدول خياراً شائعاً للدراسة أو الاستثمار أو السياحة، إلا بعد أن فرضتها ظروف الحرب.

 

وفي المقابل، كانت لدى بعض شعوب تلك الدول تصورات غير دقيقة عن السودان. فبعضهم كان يعتقد أن السودان هو فقط دولة جنوب السودان، وآخرون كانوا يظنون أن الخرطوم دولة تتبع لكوكب آخر من القارات، وأن جميع قوميات السودان الشمالي كما يسمونها تنتمي إلى عرق واحد ذي بشرة بيضاء. وهي تصورات تعود إلى صورة ذهنية قديمة في بعض أجزاء القارة الإفريقية، قسمت شعوبها إلى قسمين: قسم يُنظر إليه على أنه عربي إسلامي ذو بشرة بيضاء، وقسم يُنظر إليه على أنه إفريقي مسيحي.

 

لقد ساهمت مثل هذه التصورات في تشتيت القارة الإفريقية سياسياً واقتصادياً، وأضعفت روح التضامن الإفريقي، كما أثرت في قدرة شعوبها على توحيد إرادتها ومواكبة التحولات العالمية. وربما آن الأوان لإعادة اكتشاف الجوار الحقيقي بين شعوب القارة، وبناء علاقات أكثر عمقاً تقوم على المعرفة والتكامل والتواصل الإنساني.

 

أما خلف الشارع الثاني، حيث تمتد دول غرب إفريقيا، فإن هذه الدول لا تعرف من أسرة البيت السوداني إلا فرداً واحداً تقريباً، هو إقليم دارفور. فهو الأقرب إليهم جغرافياً، ويتواصل معهم أحياناً اجتماعياً وأحياناً اقتصادياً، ولذلك أصبح بالنسبة لهم نافذة التعرف على السودان.

ويتصور بعض جيران الغرب الإفريقي، من خلال هذا القرب، أن ربّ أسرة البيت ذي الناصية المميزة متزوج من امرأتين، وأن دارفور هي أبناء الزوجة الثانية. وكأن هذه الزوجة توصي أبناءها دائماً بحسن الجوار، وتحثهم على إزالة الفوارق الاجتماعية بينهم وبين جيرانهم من دول غرب إفريقيا، خاصة أولئك الذين تطل بيوتهم على الشوارع المؤدية اليهم.

أما على الجانب الآخر، مقابل الشارع الثالث، حيث جوار دول الخليج، فبرغم فاصل المياه والقارات، ظلت علاقة الجوار مع تلك الدول مستقرة نسبياً، تحكمها المصالح المشتركة والتواصل الحضاري في مجالات متعددة. وقد نشأت بين السودان وتلك الدول علاقات متقاربة، حتى كأنهم جيران ملاصقين يفصل بينهم جدار واحد.

فعندما تمرّ السودان بمناسبات الأفراح [أوقات السلم والاستقرار]، يتضامن بعض الجيران من تلك الدول بالحضور والمشاركة، وكأنهم يشاركون أهل البيت أفراحهم في الصيوان. وعندما تحلّ مناسبات الأتراح [أوقات الحروب والأزمات]، فإنهم يقدمون التعازي والمواساة، وإن كان ذلك غالباً عن بُعد، دون حضور فعلي، وفق ما تقتضيه طبيعة الجوار غير القريب.

وخلاصة المقصد من هذا المقال أن على السودان أن يتعلم من تجربة جواره الإفريقي، خاصة بعد أن دفعت الحرب أبناءه إلى زيارة تلك الدول والتعرف عليها عن قرب. فقد استقبلتهم تلك الشعوب بكرم الضيافة قبل أن يُنظر إليهم بصفة لاجئين، واكتشف الطرفان كثيراً من الحقائق التي كانت غائبة عن بعضهم البعض.

ومن هنا، ينبغي أن يمتد التواصل بين السودان وجيرانه الأفارقة بصورة أعمق وأكثر استمرارية، وأن تُبنى علاقات قائمة على التداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بحيث يصبح هؤلاء الجيران بمثابة جيران ملاصقين نتبادل معهم القوت وتحية الصباح والمساء، وندعوهم إلى أفراحنا في الصيوان، و نشاركهم أحزانهم كذلك.

كما ينبغي أن تتجدد بيننا العهود لبناء علاقات اقتصادية متينة، وأن نعمل معاً من أجل تأسيس كتلة إفريقية قوية، قد تُعرف يوماً ما بـ [الولايات المتحدة الإفريقية]، حتى تصبح أرجاء القارة السمراء في ترابطها وتكاملها مثل علاقة الجيران في الحي الواحد.

ولعل هذا الطموح ليس بعيد المنال، خاصة إذا تذكرنا أن البيت الذي يأوي السودانيين يقع في ناصية مميزة من جغرافية القارة الإفريقية، يطل على أكثر من منفذ، ويملك فرصة فريدة ليكون جسراً للتواصل بين شعوبها.

‫شاهد أيضًا‬

وجدي صالح سقوط نهائي بلا رجعة

ما صدر عن وجدي صالح ليس بيان سياسي بل إعلان تحدي لإرادة شعب لم يعد يحتمل العبث بذاكرته أو …