استئناف لجنة إزالة التمكين: مناورة سياسية أم عجز قانوني؟
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

خرجت قوى الحرية والتغيير بإعلان استئناف لجنة إزالة التمكين، ولا شك أن هذه الخطوة – في ظاهرها – تبدو وكأنها محاولة لاستعادة مسار سابق، لكنها في حقيقتها أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى إجراء مؤسسي مكتمل الأركان.
وفي هذا السياق، جاء توصيف الخبير القانوني نبيل أديب لصحيفة الكرامة دقيقًا حين وصف هذا الإعلان بأنه “تهريج سياسي”، مستندًا إلى جوهر الإشكال لا إلى سطحه؛ إذ أكد أن اللجنة تفتقر إلى السند القانوني والآليات العملية التي تمكّنها من تنفيذ قراراتها.
ولا شك أن ما طرحه الأستاذ نبيل أديب يلامس جوهر الإشكال القانوني في مسألة استئناف عمل لجنة إزالة التمكين، حيث أصاب كبد الحقيقة في نقطة محورية كثيرًا ما يتم تجاوزها في خضم الجدل السياسي، وهي: غياب الآلية المؤسسية والقانونية التي تُحوِّل القرار إلى فعل قابل للتنفيذ.
فالقضية ليست مجرد إعلان سياسي أو رغبة في الاستئناف، بل هي مسألة تتعلق بأركان العدالة نفسها؛ إذ لا يمكن لأي لجنة – مهما كانت نواياها – أن تمارس اختصاصات التحقيق، وتقييم الدعاوى، وإثبات التهم، دون سند قانوني واضح، ودون أدوات إجرائية معترف بها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء.
إن إقامة الدعوى، وجمع الأدلة، وإثبات التهم، ثم إصدار الأحكام، هي سلسلة مترابطة لا تستقيم إلا داخل منظومة العدالة الرسمية، وإلا تحولت الإجراءات إلى مجرد قرارات تقديرية تفتقر إلى الضمانات القانونية، وهو ما يفتح الباب للطعن، ويهز الثقة في مبدأ العدالة نفسه.
كما أن استدعاء أي دعم خارجي في قضايا داخلية خالصة – مهما كانت المبررات – يثير إشكالًا سياديًا لا يمكن تجاهله؛ لأن الأصل أن تُدار مثل هذه الملفات عبر مؤسسات الدولة الوطنية، لا عبر مداخل خارجية قد تُفسَّر سياسيًا أكثر مما تُفهم قانونيًا.
ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي ليس في الأهداف المعلنة، بل في الوسائل والآليات؛ إذ إن العدالة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُقام على قواعد راسخة من الشرعية والإجراءات السليمة.
وقد قرر الشرع أصلًا عظيمًا في باب العدل، فقال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]،
كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].ولا يكون العدل عدلًا إلا إذا قام على بينة، وسار في طريقٍ مشروعٍ، تحكمه الضوابط، لا الأهواء ولا الضغوط السياسية.
ويقرر الفقهاء أن: “البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر”، وهو أصل قضائي راسخ يبين أن إثبات الحقوق لا يكون بالقرارات المجردة، بل بالأدلة والإجراءات.
ختامًا، فإن أي مسار يستهدف تحقيق العدالة واسترداد الحقوق يجب أن يمر عبر القضاء المستقل، وإلا فإن النتيجة – مهما حسنت النوايا – ستكون أقرب إلى الجدل السياسي منها إلى العدالة الحقيقية، بل قد تتحول العدالة نفسها إلى أداة صراع، تفقد بها هيبتها وتضيع معها الحقوق.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





